عام

حكايات زهره الربيع 2

فتحت الملف وأنا إيديا بتتراشف، كانت لسه مسيطرة على كياني، وعقلي مش قادر يستوعب إن الشاب اللي كنت بشوفه قدام باب بيتنا بياكل من بواقي الأكل، طلع ظابط ورتبة، وقدر في لحظة واحدة يقلب على ويمحي اسم طليقي وأهله من المنطقة كلها.
بصيت لـ صلاح، كان قاعد بكل هيبة، راجل مالِك زمام الأمور، ملامحه الحادة ونظراته الشديدة ما بتمتش بصلة للصورة القديمة. قال لي بصوت هادي بس يقطع الشك باليقين:
“افتحي يا نوال.. اقري السطور دي بعينك عشان تفهمي إن طلاقك مكنش مجرد نزوة من حمدي أو قساوة من أمه، الموضوع كان أكبر من كده بكتير.”
فتحت أول صفحة، ولقيت أوراق رسمية مطبوعة بشعار وزارة الداخلية، وتقارير مراقبة وتفريغ مكالمات. عينيا جت على اسم أبويا! قلبي وقع في رجليا، وبصيت لصلاح بذهول :
“أبويا؟! بابا ماله ومال الكلام ده يا صلاح؟ أنت بتقول إيه؟!”
قرب صلاح كرسي وقعد قصادي، وبصلي بحنان عشان يهديني، وقال:
“اهدي وركزي معايا. حمدي طليقك وجوز أخته مكنوش مجرد تجار سموم عاديين، دول كانوا أداة في إيد شبكة كبيرة بتتكون من ناس ثقيلة في البلد. الشبكة دي كانت بتدور على حجة عشان تضغط على أبوكِ. أبوكِ يا نوال مش مجرد راجل طيب وعلى باب الله زي ما أنتِ فاكرة.. أبوكِ راجل حارس وعين من عيون الآثار القديمة في منطقتنا هنا. بيتكم القديم اللي خلف الحارة، مبني على سرداب أثري كامل، والشبكة دي كانت عايزة تشتري البيت بأي ثمن أو تخلي أبوكِ يسلمهولهم عشان ينقبوا تحته.”
شهقت وحطيت إيدي على بقي، وكمل صلاح وهو بيقلب الأوراق:
“أبوكِ رفض كل الفلوس والعروض، وعشانه راجل شريف، وقف في وشهم وقالهم البيت ده ملك الدولة والأرض دي أرض أجدادنا ومش هسيبها للحرامية. لما فشلوا مع أبوكِ بالفلوس، استخدموا الخسة.. خلو حمدي يتقدم لكِ! الجوازة من الأول كانت ملعوبة يا نوال! حمدي اتجوزك بأمر من الشبكة دي، عشان يدخل بيتك، ويبقى قريب من السرداب، وفي نفس الوقت يضغط على أبوكِ بنتك تحت إيدنا ومهانة عندنا!  اللي شفتيه مع أمه وأخته مكنش مجرد طمع حريم أو غيرة.. ده كان مخطط معمول بالملي عشان يكسروا أبوكِ ويجبروه يوقع على تنازل عن البيت والسرداب مقابل إنهم يسيبوكِ في حالك!”
الدموع نزلت من عينيا زي المطر.. افتكرت كل ليلة انكسرت فيها، كل كلمة مهينة سمعتها من أمه وأخته، كل ة من حمدي.. اتاري حياتي ومستقبلي كانوا كارت ضغط على أبويا الغلبان عشان يبيع شرفه وأمانته!
سألت صلاح وصوتي مخنوق بالبكاء:
“وبابا.. بابا كان عارف كل ده؟”
رد صلاح بثبات:
“أبوكِ كان حاسس، بس مكنش معاه دليل، مكنش قادر يتكلم عشان خايف عليكِ. ولما لقاكِ  بالبطيء، قرر يتنازل عن حقوقك كلها ويسحل نفسه في المحاكم عشان يخلصك من أيديهم قبل ما ي حياتك. يوم الطلاق، لما حمدي وقف يستفز أبوكِ، أبوكِ كان واصل لقمة العجز، وعشان كده حلف اليمين ده.. كان بيفدي شرفه وبنته وأرضه بأي حاجة في الدنيا، حتى لو هيجوزك لأول واحد يطلبه!”
صلاح سكت لحظة، وبص في عيني وقال بابتسامة دافية:
“وأنا.. ربنا جعلني في المكان ده وفي التوقيت ده بالذات. أنا المراقبة بتاعتي للشبكة دي بقالها سنتين، وكنت ممشي دور المجذوب عشان أكون موجود في الحارة أربع وعشرين ساعة من غير ما حد يشك فيا. كنت شايفك وأنتِ بطلعيلي الأكل، كنت بشوف نظرة الرحمة في عينك، وفي نفس الوقت كنت شايف عذابك مع حمدي وأهله وعارف المخطط كله. يوم الطلاق، لما أبوكِ حلف اليمين، لقيت إن دي اللحظة الإلهية.. لحظة إنقاذك، وإنقاذ أبوكِ، وإنقاذ السرداب، وضبط الشبكة كلها في ضربة واحدة!”
كنت بنصت له وأنا مش مصدقة حجم المعاناة  اللي أبويا عاشها عشان يحميني، ولا قدر ربنا اللي جابلي صلاح لحد باب بيتنا عشان يطهر حياتنا من النجاسة دي.
مسكت الملف وقريت باقي التفاصيل.. لقيت إن القضية متشابكة وفيها شخصيات كبيرة في المنطقة ومسؤولين فاسدين كانوا بيحموا حمدي وأهله. صلاح كمل كلامه وقال:
“حمدي وأمه وأخته مش بس هيتحاكموا بتهمة تجارة المخدرات، دول داخلين في قضية أمن دولة وتنسيق مع شبكات تهريب آثار وتدبير لإجبار المواطنين على التنازل عن ممتلكاتهم بالقوة. الصباحية اللي أمه كانت بتتريق عليها، هتقضيها هي وبنتها في التحقيقات، وحمدي هيتربى في السجن بقية عمره.”
قمت من مكاني، وقربت من صلاح، وقلبي مليان بمشاعر مش قادرة أعبر عنها.. بين من اللي عرفته، وبين الامتنان العميق للراجل اللي واقف قدامي. قلت له بنبرة ترجف:
“أنت عملت كل ده عشان شغلِك.. ولا عشان تحميني أنا وبابا؟”
صلاح وقف، وبصلي بصدق وقال:
“في الأول كان شغلي وواجب وطني يا نوال.. بس لما شفت نضافتك وقلبك الطيب وأنتِ بتعطفيا عليا وأنا في نظر الناس مجنون ومجذوب، بقيتي أنتِ والوطن حاجة واحدة بالنسبة لي. أنا اتجوزتك قدام ربنا والناس بكامل إرادتي، وعايز أبدأ معاكِ حياة بجد.. بس الشرف اللي حريص عليه هيخليني أقولك إن لسه مخلصتش.”
اتخضيت وقلت له:
“مخلصتش إزاي؟ مش أنت قبضت على حمدي وأهله والقوة خدتهم؟!”
صلاح هز راسه بنفي ونظرة جدية ترعب، وقال:
“حمدي وأهله كانوا مجرد ذباب في الشبكة دي يا نوال.. الرأس الكبيرة، زعيم الشبكة اللي كان بيحرك حمدي وبيحاول يستولي على بيت أبوكِ، عرف باللي حصل في الفرح، وهرَب قبل ما القوة توصل له.. والراجل ده مش هيسيب أبوكِ ولا هيسيبني في حالنا بعد ما دمرت له خطته في الحارة كلها!”
وفجأة.. وقبل ما ألحق أرد أو أستوعب كلام صلاح، التليفون بتاع صلاح رن بصوت عالي، وصلاح رد بسرعة.. وشه اتحول للون الأبيض وشعره وقف، وقام وقف فجأة وهو بيزعق في التليفون:
“إيه؟! أنت بتقول إيه؟! إزاي ده يحصل دلوقتي?!”

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى