
بصلي صلاح بنظرة وشك، وقال لي وهو بيسحب من الشنطة:
“نوال.. ا بسرعة! أخت حمدي الكبيرة اللي عايشة في الصعيد.. وصلت القاهرة، ومعاها ناس أبوكِ من البيت دلوقتي!”
انقبض قلبي وانقطعت أنفاسي، وحسيت كأن الدنيا كلها بتلف بيا. أبويا اللي لسه يا دوب مرتاح من هم الطلاق والفضيحة، يتقلب حاله في لحظة ويقع في إيدين ناس م!
دموعي نزلت بصورة هيسترية وجريت مسكت في إيد صلاح وأنا بترجاه وصوتي طالع مكتومة:
“أبويا يا صلاح! أبويا ملوش ذنب في حاجة! أرجوك أنقذه.. دول ناس ما بيرحموش، وممكن يقتلوه عشان ينتقموا مننا ومن اللي عملته في الفرح!”
صلاح مسك كتافي بقوة، وضغط عليها عشان يرجعلي توازني، وبص في عيني بنظرة صلبة حادة زي السيف وقال بصوت قاطع يبعث على الطمأنينة:
“اهدي يا نوال وركزي معايا! طول ما أنا بتنفس على وش الأرض، أبوكِ مش هيتلمس منه شعرة واحدة. الراجل ده شالني في بيته ووفى بيمينه، وده عهد عليا قدام ربنا إني أرجعهولك ساليم وأكسر دماغ كل واحد تفكر تمسه!”
صلاح سحب جهازه اللاسلكي وشغله، وبدأ يدي أوامر متلاحقة ومشددة للقوات:
“لكل المجموعات.. إعلان حالة الطوارئ ج! المتهمة هدى العرابي، أخت حمدي الكبيرة، اتحركت من الصعيد ومعاها عناصر مسلحة ونفذت عملية خطف للمواطن عبد الصمد من بيته. عايز غلق كامل لجميع منافذ المنطقة، وتتبع خط سير العربيات الدفع الرباعي اللي دخلت الحارة من عشر دقائق. كسروا كل الكاميرات ورجعوا تسجيلاتها.. اتحركوا فوراً!”
خلال دقائق، صلاح كان ملبسني طاقية وجاكيت ثقيل عشان يداري وجهي، ونزلنا نلتقي بالقوة اللي كانت مستنية تحت العمارة. الحارة كانت فاضية ومرعوبة، والهدوء اللي حل بعد دوشة الفرح بقا يرهب. أمي كانت قاعدة على باب البيت بتلطم وتبكي وهي بتقول:
“أبوكِ اتاخد يا نوال! دخلوا علينا بالسلاح وسحبوه من وسطنا زي ! قالوا دي قرصة أذن للي فاكر نفسه ظابط ورجل دولة!”
صلاح وطى على إيد أمي وباسها وقال لها:
“حقك عليا يا أمي.. أبويا عبد الصمد بيرد لي الدين، وحياته في رقبتي. ارجعي بيتك وافلي بابك، وخلال ساعات هترجعي تشوفيه هنا ورأسه مرفوعة.”
ركبنا عربية دفع رباعي سوداء سوداء مع صلاح، وفي العربية كان معاه ظابط ثاني اسمه المقدم شريف، فتح لاب توب قدامه وبدأ يعرض خرائط حية وتتبع إشارات. شريف بص لصلاح وقال:
“صلاح.. هدى العرابي مش جاية تنتقم وبس، دي متصلة بالشبكة الأكبر. هي عارفة إن أخوها حمدي وأمها وأختها الصغيرة لبسوا القضية خلاص، وعارفة إن الفرصة الوحيدة ليها عشان تساوم الدولة هي إنها تاخد خريطة السرداب اللي تحت بيتكم، وتطلع بيها برة البلد.”
صلاح كان بيشحن سلاحه وبيركب الخزنة بصوت صلب، وقال بثقة:
“هي فاكرة إن أبو نوال معاه الخريطة، وما تعرفش إن الخريطة والسر كله معايا أنا من ست شهور. هي بتلعب في الوقت الضايع.”
أنا قعدت أسمعهم وأنا إيديا على قلبي. العربية كانت بتمشي بسرعة جنونية في شوارع القاهرة المهجورة وفي الطرق الصحراوية، لحد ما وصلنا لمكان مهجور، عبارة عن مصنع رخام قديم ومتهدم في أطراف المنطقة الجبلية. المكان كان ضلمة كحل، ومفيش فيه غير إضاءة ضعيفة جاية من كشافات عربيتين واقفين في النص.
صلاح بص لشريف وللقوة وقال:
“القوة المحيطة تثبت مواقعها، محدش يضرب نار إلا بإشارتي. هدى عايزة تفاوض، وأنا هدخلها بنفسي.”
أنا مسكت في ثوب صلاح وخفت، قلت له:
“أنت رايح لوحدك يا صلاح؟! دول مسلحين وممكن يغدروا بيك!”
ابتسم صلاح ابتسامة صغيرة كلها شجاعة وقالي:
“أنا عشت سنتين وسطهم في هيئة مجذوب يا نوال.. حافظ التفكير الخسيس بتاعهم حارة حارة ومخزن مخزن. خُشي ورا شريف وما تخافيش.”
نزلت مع القوة وأنا بستخبى ورا العربيات، وصلاح مشى بثبات وهدوء تام باتجاه المصنع المهجور. في النص، كان أبويا مربوط في كرسي خشب، وشه مليان جروح ودم، بس كان رافع رأسه ومرفوض ينحني. وقبالته كانت واقفة ست طويلة، لابسة عباية سوداء، وشال، وفي إيدها طبنجة، وحواليها أربع رجالة شايلين رشاشات آليه! دي كانت هدى العرابي!
أول ما شافته، ضحكت هدى ضحكة حادة ومستفزة وقالت:
“أهلاً أهلاً بالظابط صلاح! أو أقول يا مجذوب الحارة؟! برافو عليك، عرفت تلعبها صح، ولبست أخويا وأمي الجلبوش.. بس فاكر إنك بكده كسبت الحرب؟ أنت يلا بتلعب مع العرابية! والعرابية ما بيسيبوش حقهم لو على رقابهم!”
صلاح وقف على بعد خطوات منها، وحط إيديه في جيوبه ببرود تام وقال:
“أخوكي وأمك اتكلبشوا لأنهم أوباش ورخاص، ودخلوا في لعبة أكبر منهم. وأنتِ يا هدى جيتي بنفسك لحد رجلي عشان ألم بقية العيلة في التخشيبة واحدة.”
هدى رفعت سلاحها وحطته على رأس أبويا مباشرة، وصحرت بصوت يرعب المصنع كله:
“سلاحك على الأرض فوراً! كلمة زيادة وهطير دماغ الحج عبد الصمد قدام عينك! أنا ما عنديش حاجة أخسرها خلاص! سلمني خريطة السرداب وأوراق القضية اللي معاك، وخد الراجل ده وغوروا من قدامي، يا إما هتشوف دمعه مغرق المكان!”
أبويا رغم الجراح والدم، صرخ بصوت هز جدران المصنع وقال:
دموعي نزلت بصمت جارف وأنا بشوف شجاعة أبويا، وصلاح فضل واقف مكانه ثابت، ما اتهزش شعرة واحدة. صلاح بص لهدى وقال بابتسامة ثقة تسحق العظام:
“أنتِ فاكرة إنك ماسكة عليا كارت ضغط يا هدى؟ أنتِ غبية زي أخوكي حمدي بالظبط.. افتكري كويس، مين اللي صمم الدخلة دي؟ ومين اللي سابك تخطفي عبد الصمد وتجيبي به لحد هنا؟!”
هدى وراها رجالتها بدأوا يتبادلوا النظرات بشك وخوف. صلاح كمل كلامه ورفع إيده فوق، وفجأة اتفتحت كشافات عملاقة من أعلى المصنع وسقوفه، وجت على هدى ورجالتها، وصوت مكبرات الصوت زلزل المكان:
“إلى جميع العناصر المسلحة بالداخل! المكان محاصر بالكامل من قوات العمليات الخاصة! ألقوا فوراً وإلا سيتم التعامل المباشر!”
هدى اتجننت وصصرخت:
جريت زي المجنونة على أبويا، فكيت حباله وحضنته وأنا ببكي وببوس إيديه وراسه:
“بابا! الحمد لله يا بابا.. الحمد لله إنك بخير!”
أبويا حضنني وهو بيبكي وبيحمد ربنا، وصلاح قرب منا وسند أبويا وقومه على حيله.
أبويا بص لصلاح ودموعه في عينيه وقال له:
“أنا حلفت إن أول واحد يطلبها هجوزهاله.. وربنا أكرمني وأكرّم بنتي بأرجل راجل في البلد دي كلها يا صلاح.”
صلاح ابتسم وباس رأس أبويا وقال:
“ده واجبي يا عمي عبد الصمد، وحق نوال عليا.”
القوة مسكت هدى ورجالتها وكتفوهم بالكلابشات الحديدية. هدى كانت بتبص لصلاح بعيون مليانة غل وشر وقالت له وهي بتتجر في البوكس:
“فاكرها خلصت يا صلاح؟! زعيم الشبكة الكبير مش هيسيبك.. الراجل ده قاعد في قصر في قلب القاهرة، وما حدش يقدر يمسه، وهيدمرك أنت وعيلتك كليتكم!”
صلاح قرب منها، وبص في عينها وقال ببرود قاتل:
“قولي لزعيمك إن الظابط صلاح المجذوب جاي له لحد قصره.. واللي قفل الملف بتاعكم في الحارة، هيقفل ملفه هو شخصياً في البلد كلها.”
لكن.. المفاجأة اللي حصلت بعدها بساعة واحدة لما رجعنا المقر..خلت صلاح يتسمر في مكانه يتجمد في عروقه!
لما فتح صلاح التليفون بتاعه عشان يستلم تقرير الهوية عن “زعيم الشبكة الكبير” اللي هدى اتكلمت عنه.. وشاف صورة الزعيم والاسم المكتوب تحتها.. الملف وقع من إيده، وبص لي بنظرة ذهول ورعب لم أراها في عينه من قبل!
صلاح بصلي وصوته بيترعش لأول مرة:
“نوال.. زعيم الشبكة ده.. يبقى…”



