عام

شقة ابنى حكايات امانى

جمعت بنتي الفستان والجزمة والمكياج من على السرير، ودموعها نازلة على خدها مش قادرة تبص في وشي. بصتلي بكسرة وقالتلي: “أنا مش هقدر ألبس الحاجة دي ولا أروح الفرح يا أمي.. أنا حاسة إني لابسة ذنب ومشاعري وجعاني أوي من اللي حصل”.

سابتني وقامت طلعت فوق، خبطت على باب شقة أخوها بصوت خفيض وبتترعش. فتحلها أخوها ووشه مشدود، لكن لما شاف الدموع في عينها تنحى جانباً وسبها تدخل. مرات أخوها كانت قاعدة على الكنبة في الصالة، عينها حمرا ومتاخدة من كثر العياط.

قربت بنتي منها، حطت الفستان والجزمة والمكياج بالراحة على الطاولة قدامها، وقعدت على ركبها جنبها ومسكت إيدها وهي بتعيط وبتقولها: “حقك عليا يا شيماء.. أنا آسفة ومكسوفة منك ومن نفسي. والله العظيم أنا ما كان قصدي أعدي على خصوصيتك ولا أخد حاجة من غير إذنك.

. أمي هي اللي قالتلي طلعي وخدي، وأنا مشيت وراها وجريت ورا فرحتي بالفستان. حقك عليا، أنا قلعت الحاجة ورجعتها لك، وخلاص مش هروح الفرح ده خالص، رجلي مش هتشيلني أروح في حتة وأنتِ مقهورة كدة بسببنا”.شيماء بصت للبنت، وحست بصدق كلامها ودموعها، ووفائها اللي مالوش ذنب في كبرياء أمها.

تنهدت بتعب ومسحت دموعها، وطبطبت على إيد بنتي وقالت لها بصوت حنين ورزين: “نشفى دموعك يا حبيبتي.. قومي البسي فستانك وخدي حاجتك وروحي افرحي مع صاحبتك واخرجي واتفسحي”.بنتي بصتلها بصدمة ومش مصدقة، فردت شيماء بابتسامة مكسورة: “أنا زعلي ما كانش منك، ولا عمري كنت هستخسر فيكي فستان ولا جزمة ولا أي حاجة في دولابي.

. أنتِ زي اختي الصغيرة، ولو كنتِ طلبتي مني قبل ما أسافر كنت هطلعلك أحسن ما عندي وأجهزك بإيدي. كل اللي وجعني هو إن بيتي اتفتح وحاجتي اتأخدت من غير علمي كأني غريبة، والأسوأ إن ظنكم فيا كان شر وأنا شايلالكم الخير.

قومي يا حبيبتي البسي وروحي فرحك، ما تخليش نكد الكبار يضيع عليكِ يومك، بس بعد كده لما تعوزي حاجة اعرفيني واطلبيها مني بنفسك.. عينيا ليكي”.بنتي ح. ضنتها بدموع وقالت لها: “ربنا يخليكي ليا يا شيماء.. أنتِ أصيلة أوي وإحنا ما نستاهلش قلبك الأبيض ده”.

مسكت الشنطة بالعباية وقومت وقفت ورى الباب، وأول ما فتح باب الشقة عشان يدخل، وقفته بصوت مكسور وواطي: “أحمد.. تعالى يا ابني لحظة”.بصلي بنظرة جافة فاضية من أي حنية، ودخل خطوتين جوة الصالة من غير ما يسلم ولا يقول كلمة.

مديت إيدي بالشنطة وأنا بصة في الأرض ومش قادرة أرفع عيني فيه، وقولتله ونبرة صوتي بتترعش: “خد يا ابني العباية دي معك وأنت طالع.. حطها مكانها في دولابها بالظبط زي ما كانت ملفوفة. واعمل خاطري ويا ريت ما تقولهاش إني عرفت ولا تقولها أي حاجة خالص.

. سيبها لما ييجي عيد الأم وتجيبهالي بإيدها وتفرح بيتي، وأنا والله هعمل نفسي ما شفتهاش قبل كده ولا أعرف عنها حاجة، وهفرح بيها من قلبي كأني بكتشفها لأول مرة”.دموعي نزلت غصب عني وكملت: “أنا مش عايزة أكسر فرحتها بالهدية اللي تعبت فيها يا أحمد.

. يكفي الكسرة اللي أنا سببهالها البارح. رجعهالها وخلي بينكم السر ده، وعشان خاطري ما تحرمهاش من الفرحة اللي كانت منتظراها”.ابني بص للشنطة اللي في إيدي، وبعدين بص لوشي وشاف الدموع والندم الحقيقي اللي آكل قلبي.

ملامحه هديت شوية لكن القسوة ما اختفتش تماماً، مد إيده وأخد الشنطة بالراحة، وتنفس بصوت عالٍ وطويل وقال: “ماشي يا أمي.. هطلع أحطها مكانها وسرنا مش هيخرج، بس مش عشان خايف على زعلها وبس.. عشان كمان عايزك تشوفي بنفسك النية الصافية لما تتسلم بكرامة، وتعرفي قد إيه الظن السيئ بيخرب البيوت”.

أخد الشنطة وطلع، وأنا قعدت على السلم أسمع خطواته وهو طالع.. حسيت بتقل انزاح من على صدري شوية، بس كان فاضل التقُل الأكبر: إزاي هبص في وش البنت دي لما تنزل، وإزاي هقدر أرد لها اعتبارها وأصلح اللي اتكسر في قلبها وقلب ابني.

مرت الأيام والبيت هادي، بس الهُدوء كان يوجع أكتر من الزعيق. شيماء طالعة نازلة، تتصرف بقمة الأدب والذوق، تسلم عليا وتسأل عن صحتي بكل احترام، بس كان فيه حاجة اتكسرت.. النظرة اللي فيها حُب ودفا زمان اتغيرت وبقت مجاملة رسمية، كأنها بتتعامل مع غريبة.

وأنا كل ما أشوفها، قلبي يتقطع من الندم وأقول لنفسي: “يا ريتني كنت افترضت الخير بدال الغل والشك اللي عماني”.وجاء يوم عيد الأم..من أول ما صحيت وأنا قاعدة في الصالة، قلبي بيدق بسرعة كأني مستنية محاكمة.

بنتي دخلت عليا بست ورد صغير وبستني على رأسي وقالتلي: “كل سنة وأنتِ طيبة يا أمي”، وبعدها بشوية سمعنا خطوات على السلم.. خطوات ابني وشيماء نازلين سوا. دخل ابني وباس إيدي ورأسي وقال: “كل سنة وأنتِ طيبة يا أمي، ربنا يخليكي لينا وما يحرمناش منك”.

وراه على طول قربت شيماء، كانت مبتسمة ابتسامة رقيقة وصافية، وفي إيدها الشنطة إياها.. الشنطة اللي بكتني أيام!قربت مني، وقعدت على ركبتها قدامي زي ما بنتي عملت معاها يوم الفرح، وحطت الشنطة في ح.

ضني وقالت بصوت مليان حنية وأصل: “كل سنة وأنتِ طيبة يا حماتي، ويا رب تعيشي وتجيبي لنا وتجمعينا.

. أنا عارفة إن ذوقي بسيط، بس العباية دي أول ما شفتها قولت دي مش هتليق ولا تزهى غير على ست الحبايب. يا رب تعجبك وتعيشي وتدوبي”.في اللحظة دي، أنا ما قدرتش أتمالك نفسي أبداً.. انفتحت في العياط كأني طفلة صغيرة.

مسكت العباية وطلعتها، وعملت نفسي بكتشفها لأول مرة زي ما اتفقت مع ابني، ودموعي نازلة تغرق قماشها الأسود الغالي. بصيت لشيماء، ومسكت إيدها الاثنين وح. ضنتها بقوة وأنا بجهش بالبكاء: “سامحيني يا بنتي.. سامحيني يا شيماء! العباية حلوة أوي وأغلى هدية جَتلي في حياتي، بس أنتِ أغلى وأجدع منها بكتير.

. أنتِ أصيلة وبتكسري العين بأخلاقك ونظافة قلبك”.شيماء اتفاجئت من انهياري، وطبطبت على ظهري وقالت: “يا حماتي ما تقوليس كده، أنتِ مقامك أكبر من أي حاجة، وما فيش بين الأهل مسامحة.. أنتِ أمي التانية”.ابني واقف بيتفرج علينا وعينه دمعت، وابتسم لأول مرة من يوم المشكلة ابتسامة حقيقية طالعة من قلبه.

جه وقعد جنبنا وح. ضننا إحنا الاثنين وقال: “ربنا يديم الود بينكم ولا يدخل بيننا شيطان تاني أبدًا”.من اليوم ده، العباية دي بقت أحب حاجة لقلبي، بَلبسها في كل المناسبات العائلية وأنا متباهية بيها، مش عشان سعرها ولا جمالها.

. لكن عشان كل ما أبص لها فتكر الدرس العظيم اللي اتعلمته: إن الظن السيئ بيهد البيوت، وإن القلوب البيضة والأصل الطيب هما اللي بيعيشوا وبيكسبوا في الآخر.

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى