
عندما رأتني أختي نيفين وقفت مسرعة وجرت نحوي، تحاول الإمساك بيدي وهي تصرخ بصوت خنقته الدموع:
— “نادية! الحقيني يا نادية! العريس المحنون ده جاب المباحث وجاب أوراق البنك! والله العظيم أمي هي اللي قالتلي نعمل التفويض باسمك! قالتي نادية هي الوحيدة اللي البنك مش هيشك فيها لأن حسابها ونظيف وما عندهاش أي ديون! نادية قولي للنيابة إنك كنتِ عارفة! قولي إنك موافقة عشان ما يترفعش علينا قضية جنائية!”
دفعتها بيدي بمنتهى القوة والشدة حتى تراجعت خطوات إلى الخلف. نظرتُ إليها بنظرة لم ترها في عيني من قبل، وقالت حنجرتي بكلمات :
— “أقول إن إيه؟ أقول إن اختي وأمي كانوا كان القاضي الشاب يجلس خلف مكتبه العريض، وأمامه ملف القضية المفتوح، وبجانبه يجلس العريس المخدوع ومحاميه. العريس عندما رأاني دخلت، وقف باحترام وقال لوكيل النيابة:
— “يا فندم… السيدة نادية هي المجني عليها الأولى زيي بالظبط. أنا متأكد إن الأوراق اللي البنك طلعها تم استغلال توقيعها فيها بدون علمها، وأنا متمسك بأقوالي ضد نيفين وأمها فقط.”
وكيل النيابة نظر إليّ بجدية وقال:
— “سيدة نادية… قدامنا بلاغ رسمي من الاستاذ (العريس) تقدم محامينا أستاذ عادل ووضع ملفاً كاملاً على مكتب وكيل النيابة وقال:
— “سيادة المستشار… معانا المستندات القاطعة اللي بتثبت براءة موكلتي. أولاً: عقد الفندق الأصلي والمحضر المرفق من إدارة الأمن عن محاولة اقتحام المتهمات للقاعة واستغلال اسمها. ثانياً: كشف حركة الحساب البنكي لموكلتي اللي بيثبت إنها ما حولتش ولا استلمت دولار واحد من المتهمات. وثالثاً والأهم… شهادة طبيب المستشفى اللي أختها استغلت ظروفه عشان تخلّيها توقع التفويض العائلي بحجة علاج الأم!”
ساد الصمت المكتب لثوانٍ كانت أثقل من الجبال.
وكيل النيابة قلّب المستندات بعناية، ثم طلب استدعاء أمي وأختي إلى داخل المكتب فوراً.
دخلت أمي وهي تتكأ على عصاها، تحاول تصنع المرض والضعف كعادتها لتستدرج عطف الموجودين. نظرت إليّ بعينين ممتلئتين بالرجاء والالتماس، وقالت بنبرة خافضة:
— “يا سيادة القاضي… دي بنتي الكبيرة، ودول أختين وبيهزروا مع بعض… إحنا عيلة واحدة وما فيش بيننا القضايا دي…”
لكن وكيل النيابة ضرب بيديه على المكتب بقوة جعلت الجميع يقفز في مكانه، وقال بصوت حاسم:
— “قضايا إيه وتزوير إيه اللي بتقولي عليه هزار يا فندم؟ ده تزوير في محرر رسمي واستيلاء على أموال وتلفيق تهم جنائية! الورق اللي قدامي وإفادة البنك بتاكد إن التوقيعات المزورة على الإيصالات والمحررات انعملت بمعرفتكم إنتِ وبنتك نيفين!”
أمي انهارت وسقطت على الكرسي المجاور، بينما أختي نيفين بدأت تصرخ وتبكي بحرقة، وتوجه اتهامات صارخة لأمها:
— “هي اللي قالتلي! هي اللي قالتلي نادية طيبة ومقتدرة ومش هتعمل حاجة لو اكتشفت! هي اللي جابتلي الإيصالات المزورة وقالتلي نخلص جوازة بنتي وبعدين نتصرف!”
التفت وكيل النيابة إلى كاتب التحقيق وأملى عليه قراره الأول بكل حزم:
— “تُحتجز المتهمة الأولى (نيفين) والمتهمة الثانية (الأم) على ذمة التحقيق، ويُطلب تحريات المباحث الجنائية حول الحسابات البنكية… وإخلاء سبيل السيدة نادية بضمان محل إقامتها بصفتها مجني عليها!”
عندما سمعت أختي القرار، صرخت بصوت هز أركان المبنى، وأمسكت بتلابيب أمي وهي تبكي، بينما أفراد الشرطة يتقدمون لوضع الأغلال في أيديهما.
خرجتُ من مكتب النيابة وأنا أرتجف، ممسكة ببدلة زوجي الذي احتضنني بكل قوته.
ولكن، في اللحظة التي وطأت فيها أقدامنا ساحة المبنى الخارجية، اقترب منا رجل غريب يرتدي بدلة سوداء أنيقة، ويحمل في يده ظرفاً مغلقاً باللون الأحمر الداكن.
وقف أمام زوجي وأمامي مباشرة، وقدم الظرف إليّ وقال بصوت خفيض وبارد:
— “سيدة نادية… الرسالة دي من المالك الحقيقي لشركة المقاولات المغلقة اللي استخدموا اسمها في الإيصالات المزورة… وهو بيبتغلكم إن الحساب مش بس كان فيه 25 ألف دولار… الحساب فيه معاملات تانية بلملايين باسم عيلتكم، واللعبة يلا بدأت.”




