
سفت الإهانات وطلعت بدموع مغرقة وشي، جسمي كله بيوجعني من قسوة الكلام وكسرة النفس، وجوزي دخل ورايا الأوضة وهو بيزعق وبغل: “إنتي ازاي تكلمي أختي وتردي على أمي بالشكل ده؟ إنتي فاكرة نفسك مين؟”
قلتله وأنا بشد دراعي منه ودموعي نازلة: “انت بجد بتلومني لأني بدافع عن حقي؟ إنت ماشوفتش أختك وأمك بيكلموني ازاي ويهينوا أبويا؟ إنت فين من ده كله؟”
رد عليا بقسوة وجحود عمرهم ما ظهروا منه أيام الخطوبة: “أمي وأخواتي يعملوا اللي هما عايزينه! إنتي هنا دخلتي بيتهم، واللي يزعلهم يغور! أقسم بالله لو ما نزلتِ وبوستي إيد أمي واعتذرتيلهم لتكوني طالق ورجعة لبيت أهلك بشنطة هدومك في ساعتك دي!”
الكلمة نزلَت عليا زي الصاعقة. طلاق؟ في صباحيتي؟ عشان بطلب حقي وعشان اتعاملت بالأسلوب ده في بيتي؟
بصيتله باستحقار وقلتله بصوت بردت فيه كل المشاعر: “تبوس إيدها إنت… لكن أنا أبويا مربيني على الكرامة، ومش هعيش مع واحد مش راجل يفرّط في مراته في أول يوم!”
أول ما نطقت الكلمة دي، محمود جن جنونه وبدأ يصرخ فيا ويهددني بالطلاق الفوري لو ما نفذتش كلامه. وفي وسط الصريخ ده، سمعنا صوت خبط ورزع جامد على باب الشقة البرانية، وصوت أبويا وأمي بره وجايبين معاهم عمي. أهلي كانوا راجعين ياخدوا حاجة نسيوها، أو كأن ربنا بعتهم في الوقت المناسب عشان ينقذوني.
حماتي وأخواته طلعوا يجروا يفتحوا الباب، وبدأوا يعملوا تمثيلية سريعة ويكتموا الصوت، بس أنا جمعت كل قوتي وصرخت بكل صوتي من جوه الأوضة: “لحقوني يا بابا! لحقوني يا أهلي!”
أبويا أول ما سمع صريخي زق الباب ودخل بجسمه، وعمي وراه. دخلوا الأوضة شافوني بالمنظر ده: هدومي متبهدلة، وشي باين عليه الحزن الشديد، ودموعي مغرقة وشي، والتلاجة والفريزر مفتوحين وفاضيين. أبويا اتصدم وعينيه اتملت بالدموع وهو شايف بنته الوحيدة بالمنظر ده في صباحيتها.
أبويا جرى عليا وخدني في حضنه، وقال بصوت هز البيت: “إيه اللي حصل هنا؟ مين اللي عمل في بنتي كده؟”
محمود وقف يتلعثم ويقول: “يا عمي دي أهانت أمي وأخواتي وأنا بظبطها…”
أبويا مسبلوش فرصة يكمل، ومسكه من زقمه وهزه بكل قوته وهو بيقوله: “تظبط مين؟ ده أنا شاريك وكاتب عليك الشروط ومديك بنتي أمانة! تدوروا تسرقوا حاجتها وأكلها وتهينوها في أول يوم؟”
حماتي دخلت في الكلام بطريقة غير لائقة وقالت: “بنتك اللي مش متربية، نازلة تتخانق عشان شوية أكل خدناه نطبخه، وهي اللي بدأت!”
عمي اتدخل وزعق في حماتي وقالها: “الأكل ده شقا راجل تعب عشان يفرح بنته، مش جايين تنهبوه وتسرقوه! وعموماً البيت ده مش عتبته تانية لبنتنا.”
أبويا بص لمحمود وقالوله بمنتهى الثبات: “شنطة هدومها هتاخدها دلوقتي، والحاجة اللي اتسرقت من التلاجة والفريزر طالعة مع أكلها وذهبها وقائمتها. وبنتنا مش هتقعد ساعة واحدة مع واحد لا بيصون ولا يحمي.”
محمود بدأ يخاف لما حس إن الموضوع كبر وإن أهلي مش سكتين، وبدأ يتراجع ويقول: “يا عمي استهدى بالله، الموضوع بسيط وهي كبرته…”
بس أنا قطعت كلامه وقلت لأبويا وأمي وأنا ماسكة في إيده: “يا بابا أنا مش عايزة أقف هنا ثانية واحدة، أنا عايزة أمشي فوراً.”
أبويا لف لمحمود وقال كلمة واحدة هزت أركان البيت كله: “ورقة طلاقها تترمي على باب بيتي بكرة، ويا إما القائمة والدهب يرجعوا للقرش الأخير، يا إما النيابة هي اللي هتفصل بيننا وبينكم.”
أمي لمّت هدومي وسلسلة ذهبي اللي كانت في الأوضة وسط صريخ من حماتي وأخواته اللي كانوا فاكرين إننا هنخاف من الفضيحة ونركع. خرجت من البيت ده مرفوعة الرأس ومكسورة القلب في نفس الوقت، وأنا حاطة إيدي في إيد أبويا، وسبت محمود واقف خايف ومرعوب من اللي جايله.
خرجت مع بابا وعمي وأمي، وركبت عربية عمي وأنا بجيب نفسي بالعافية، ونفسيتي متدمرة. أول ما وصلنا بيتنا في البلد، بابا قعدني في الصالة وجابلي كوباية مية، وأمي كانت بتبصلي ودموعها مش بتقف، مش مصدقة إن كل الفرحة والشقاء والتعب اللي شقوه عشان يجهزوني يروح في لحظة.
بابا سكت شوية وهو بيحاول يمسك أعصابه، وبعدين بص لعمي وقال بصوت كله غضب مكتوم: “النهارده مش هنسكت، حق بنتنا هيرجع بالقانون وبالأصول. أول حاجة نعملها نعمل محضر إثبات حالة باللي حصل وبحالة التعدي اللفظي والنفسي اللي اتعرضتله.”
فعلاً، بابا وعمي طلعوا على مركز الشرطة، وبابا عمل محضر رسمي بالسرقة والتعدي، وذكر فيه كل حاجة أهلي جابوها وأتاخدت عنوة من شقتي في صباحيتي.
في الوقت ده، محمود وأمه كانوا فاكرين إننا بنهدد وبس، وإن أهلي أول ما يرجعوا البلد هيخافوا من كلام الناس ويسكتوا. بس لما أم محمود عرفت إن الشرطة طلبت محمود وأخته للتحقيق في المحضر، الدنيا قامت عندهم وما قعدتش.
تاني يوم الصبح، لقيت تليفون بابا بيرن. كان محمود. بابا فتح السبيكر عشان كلنا نسمع، محمود كان صوته رايح وبيرتجف، وقال: “يا عمي أرجوك استهدى بالله، الموضوع مش محتاج شرطة ومحاضر، إحنا أهل والصلح خير. أنا مستعد أجي أعتذرلك وأجيب أمي وأخواتي لحد عندك.”
بابا رد عليه بصوت زي الحديد: “صلح إيه يا محمود؟ الصلح ده للرجال اللي بتعرف تصون الأمانة، مش للي يفرط في مراته ويقف يتفرج على أمه وأخواته وهما بيذلوها! أنت طايح في حق بنتي وفاكرها مقطوعة من شجرة؟ ورقة طلاقها تترمي، وحقها بالقائمة والدهب والقانون يرجع بالكامل، وغير كده الكلام بيننا هيكون في المحاكم.”
محمود حاول يترجى بابا وقال: “يا عمي أنا مش عايز أطلق، أنا بحبها، والله أمي هي اللي ضغطت عليا، أنا غصب عني!”
سمعت الكلمة دي ودمي غلي من الضعف والندالة اللي فيه، مسكت التليفون من بابا وقلتله بصوت قوي: “أنت مش راجل يا محمود، واللي يسمع كلام أمه في سرقة كرامة مراته ما يلزمنيش. أنا اللي مش عايزاك، وورقتي توصلني، وحقي هاخده منك بالقانون قرش ينطح قرش.” وقفلت الخط في وشه.
أمه لما لقيت إن المحاضر جد وإن ابنها متهدد بالحبس، اتجننت وبدأت تطلع شائعات، بس أهل البلد وأكابر العائلات هناك كانوا عارفين أصل بابا وعمي، وعارفين كويس طمع حماتي وأسلوبها. كبار البلد اتجمعوا وراحوا لبيت حمايا، وقعدوا مع حمايا اللي كان قاعد مش قادر يفتح بوقه قدام مراته.
كبير العائلات هناك قال لحمايا قدام أمه ومحمود: “اللي حصل مع بنت فلان ده عيب في حقنا كلنا. أكل صباحيتها يتاخد، والبت تتهان في أول يوم؟ دي مش أصول ولا دين! لو محمود ما طلقش بالمعروف ورجع لها كل حقوقها ودهبها وقائمتها بالكامل، البلد كلها هتقاطعلكم.”
محمود وأمه اتزنقوا في الزاوية، المحضر شغال، وكبار البلد ضاغطين عليهم. محمود حس إن مستقبله هيروح، ومفيش قدامه مفر غير إنه يرضخ لشروط بابا.
بعتوا خبر لبابا إنهم موافقين يطلقوا ويسلموا الدهب والقائمة وكل المقتنيات، بشرط إننا نتنازل عن المحضر.
بابا قالهم: “الدهب يوصل هنا الأول، والقائمة تترد بالكامل، والطلاق يتم عند المأذون رسمياً، وبعدها بفكر أتنازل عن المحضر.”
فعلاً، بعد يومين، وقفت قدام المأذون وأنا شايفة محمود قاعد قدامي مكسور ومش قادر يرفع عينيه في عين بابا أو عمي. المأذون كتب ورقة الطلاق، واستلمت دهبي وقائمتي كاملة، ورجعت مع بابا بيتنا وأنا حاسة إن كابوس تقيل أزيح عن صدري.
صحيح خرجت من التجربة دي بقلب مكسور وجرح مش بسهولة يلتئم، بس خرجت وأنا مرفوعة الرأس، وعرفت إن كرامتي وأهلي أهم من أي جوازة في الدنيا، وإن ربنا نجاني من بيت كان ممكن أعيش فيه في ظلم بقية عمري.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”



