روايات وقصص

حكايات امانى السيد 2

جلس وكيل النيابة ونظر في الملفات التي أمامه، ثم نظر للأستاذ مدحت المحامي وقال بنبرة قاطعة:

“أستاذ مدحت.. موكلك جاسر الألفي والمتهمة دينا، بالإضافة ليك شخصياً.. وجهت ليكم النيابة رسمياً تهم تشكيل عصابي للتزوير في محررات رسمية، والاستيلاء على أموال القصر، والإضرار العمدي بالمال الخاص، والتستر على جريمة. وبناءً عليه تقرر حبسكم جميعاً خمسة عشر يوماً على ذمة التحقيق مع مراعاة التجديد.”

المحامي مدحت اتمسح وشها بالتراب: “أنا يا فندم؟! أنا المحامي بتاعه بس!”

رد وكيل النيابة ببرود: “التسجيلات الصوتية اللي قدمها عاصم بيه الشريف فيها صوتك وأنت بتتفق مع الممرضة على المبلغ اللي هتياخده عشان تسكت.. اتفضلوا على الحجز!”

صرخت دينا وبكت بهستيريا وهي بتتسحب لبرة: “لا! أنا دينا! أنا مش هدخل ! يا جاسر الله يخرب بيتك يا بعيد!”

وجاسر واقف مش قادر ينطق كلمة، الكلبشات بتترج في إيديه والمحامي بتاعه بيتسحب جنبه زي المتهمين العاديين.

في الوقت نفسه، وفي برج “الشريف” الشاهق في قلب القاهرة، كانت الشمس تملأ المكتب الفخم بالمبنى. ندى كانت واقفة أمام الزجاج العريض النازل من السقف للأرض، بتبص على النيل والمدينة كلها تحت رجليها. كانت لابسة طقم من اللون الأبيض العاجي، شعرها ملموم برقة، ووجهها ينضح بالهدوء والسكينة والكرامة اللي استردتها.

دخل عاصم الشريف من باب المكتب، خطراته الثقيلة الهادية كانت بتبعث الأمان في المكان. قرب منها وحط إيده على كتفها بنعومة، وابتسم لما لفت له:

“النيابة لسه مكلماني.. جاسر ودينا والمحامي أتقفل عليهم باب الحجز رسمياً، والقضية اتحولت لمحكمة الجنايات باتهامات تضمن لهم مش أقل من 15 سنة سجن.”

ندى اتنهدت تنهيدة عميقة، ودمعة دافية نزلت على خدها، بس المرادي ابتسمت وهي بتمسحها:

“عارف يا عاصم.. أنا مش فرحانة فيهم، ولا حاسة بشماتة. أنا بس حاسة إن روح بابا أخيرًا ارتاحت في قبرها. كان بيتعذب وهو شايف الراجل اللي ائتمنه على بنته وفلوسه، بيغدر بيه ويسرق تعب عمره وهو على فراش الموت.”

عاصم مسك إيدها الاثنين ورسخ نظراته بثبات في عينيها:

“أنا وعدتك من أول يوم جيتيلي فيه ومكسورة ومظلومة إن حقك هيرجع بالقانون ومن غير ما تنزلي لمستواهم. ندى.. جاسر ودينا انتهوا من حياتنا خلاص، وصفتهمقتلت نفسها بنفسها. بس دلوقتي جه الوقت اللي نفكر فيه في الجاي.”

ندى بصلته باستغراب طفيف: “الجاي إيه يا عاصم؟ الشركة ومجال العقارات؟”

ابتسم عاصم ابتسامة دافية وخفيفة، وسحب من جيبه ظرف أسود مخملي أنيق فتح وطلع منه تذكرتين طيران وكارت ذهبي:

“الشركة شغالة ومجموعتنا بقت أقوى بكتير بعد التحالف. الجاي هو إحنا.. سفريتنا لباريس بكرة عشان نعمل حفلة جوازنا الحقيقية بعيد عن كل القرف ده، ونبدأ حياتنا اللي بجد.”

ابتسمت ندى بحب حقيقي وبدأت تحس إن كل لحظة ألم مرت بيها في الماضي كانت مجرد طريق يوصلها للراجل الصح اللي يعوضها عن كل حاجة.

لكن في هذه الأثناء.. وفي زنزانة السجن العمومي، كان جاسر قاعد في الزاوية على الأرضية الأسمنتية الباردة، وسط المساجين اللي كانوا بيعاملوه بقسوة وسخرية بعد ما عرفوا قصته من التليفزيون.

دخل أحد الحراس وفتح باب الزنزانة وصاح:

” المتهم جاسر الألفي! عندك زيارة من المحامي الجديد!”

قفز جاسر بسرعة وجري على غرفة الزيارات، كان فاكر إن فيه أمل أو ثغرة قانونية ممكن تخرجه. بس أول ما دخل وقعد أمام السلك الشائك، اتفاجأ بشخص غريب قاعد قصاده، راجل كبير في السن، شعره أبيض، وعيونه مليانة دهاء وقسوة.

جاسر بص له بحيرة: “أنت مين؟ مين اللي بعتك لي؟”

ابتسم الراجل الغريب ابتسامة مريبة وقرب من السلك وهمس بنبرة خفيضة:

“أنا المحامي توفيق النحاس.. مبعوث من ناس كبار قوي في السوق، ناس عاصم الشريف دمر لهم شغل بمليارات، وناس ندى الشريكة الجديدة أخدت منهم عقود ضخمة لما دخلت التحالف.”

جاسر اتسعت عينيه وشد على السلك: “أنت بتقول إيه؟! يعني فيه حد يقدر يقف ضد عاصم وندى؟!”

رد المحامي ببرود ودهاء:

“عاصم الشريف مش إله يا جاسر بيه.. وندى مش معصومة. الناظرين ليك برة مستعدين يخرجوك من السجن بركوبة قانونية وثغرة في إجراءات القبض، ويدعموك بفلوس وسلاح ونفوذ ترجع بيه كل اللي أتاخد منك.. بس بشرط واحد.”

جاسر ينفس بسرعة وعيونه بتطق جشع وانتقام: “شرط إيه؟! قولي وأنا أعمل أي حاجة! أي حاجة في الدنيا بس أشوف ندى وعاصم تحت رجلي!”

قرب المحامي أكتر وقال بصوت شبه معدوم:

“الشرط إنك تنفذ خطة هتدمر تحالف عاصم وندى من الجذور.. خطة مش هتخليهم بس يفلسوا، دي هتخليهم يدفعوا ثمن كل لحظة عزوها على حساب كبار السوق.. هتقدر يا جاسر تنفذ ولا هتفضل قاعد في الرطوبة هنا مستني حبل المشنقة؟”

قبض جاسر على السلك الحديدي بقوة حتى ابيضت مفاصاله، وظهرت في عينيه نبرة جنون وانتقام أشد وألعن من الأول، وقال بصوت حاد كالسكين:

“أنا موافق.. قولي أعمل إيه، وأنا مستعد أهد الدنيا كلها على دماغهم!”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى