
قريت الكلام اللي اتكتب على جروب العيلة، ونظرات التعاطف المزيفة اللي بدأت تنهال من العمات والأعمام. جوزي اتصل بيا فوراً، وكان صوته متوتر ومشحون:
— حبيبة… إنتي شفتي أمي كتبت إيه؟ أنا كلمتها واتكلمت معاها بحزم وقلت لها شيل الكلام ده فوراً، بس هي قفلت الخط في وشي وقعدت تعيط وتقول لي إنك قسّيتي قلبي عليها! العيلة كلها بيكلموني دلوقتي فاكرين إننا طردناها من البيت!
قلت له بمنتهى الهدوء:
— اهدا يا حبيبي… متتكلمش ولا تعلّي صوتك مع حد. سيب الموضوع ده عليا، وأنا مش هرد بأسلوب غير لائق ولا هعمل مشكلة، بس الحق لازم يوضح للكل.
أول حاجة عملتها، ما دخلتش في الجروب أرد بإساءة ولا أدافع عن نفسي بانفعال. العقل والهدوء هما السلاح اللي بيكسر أي دراما مظلومية.
افتكرت حاجة مهمة جدًا… الصيف ده، وأمي بتشتري الورد، وأنا بتصور في الشرفة، صورنا فيديوهات وصور كتيرة جدًا بالصدفة. وفي الفيديوهات دي، كان يبان فيها كل حاجة.
دخلت على الموبايل، وجمعت ألبوم صغير.
أول صورة: أمي وهي واقفة في المطبخ الساعة ستة الصبح بتعمل الفطار والمطبخ بيلمع، ووراها السفرة متوضبة لأفخم فطار.
تاني فيديو: فيديو قصير مدته عشر ثواني، حماتي قاعدة فيه على الكرسي المريح في الشرفة، ماسكة الشاي المثلج وبتتفرج على البحر، وأمي معدية من وراها شايلة صينية العشا الثقيلة ومبتسمة.
تالت صورة: صورة الشرفة بالأحواض الورد الجميلة اللي أمي اختارتها وفرحت بيها.
ورابع صورة: صورة عزومة السمك الفاخرة اللي أخت حماتي وبناتها شرفوا فيها، والسفرة مليانة من خير بيت أمي.
فتحت الجروب، وكتبت رسالة واحدة بمنتهى الرقي والأدب، ودعمتها بالصور والفيديوهات:
«مساء الخير يا جماعة، جمعة مباركة عليكم جميعاً.
أنا حابة أوضح بس نقطة صغيرة عشان ما حدش يفهم الموضوع غلط أو يفتكر إن طنط اتعرضت لأي إهانة في بيت أمي.
طوال الصيف، أمي فتحت بيتها وقلبها لطنط، وكانت بتصحى من الساعة خمسة الفجر عشان توفر لها كل سبل الراحة، بداية من الفطار الخاص للقهوة اللي بتحبها، لحد أرق الفوط والملايات، وده من باب الحب والأصول وإننا عيلة واحدة.
وفعلاً طنط كانت بتعتبر البيت بيتها، لدرجة إنها في آخر زيارة قررت هي بنفسها تعزم أختها الكريمة وبناتها، وبيت أمي شالهم فوق الراس، وأمي رحبت بيهم بأجود أنواع الضيافة وعزومة سمك تشرف أي حد (زي ما باين في الصور).
وحتى لما طنط قررت ترجع القاهرة بدري عن معاد سفرنا ليوم واحد، استأذنت وخرجت معززة مكرمة وجوزي وصلها بنفسه لحد السوبرجيت.
بيت أمي هيفضل مفتوح للجميع بالحب والاحترام، بس الاحترام دايماً بيبقى متبادل، وأمي كبرت في السن وما بتبخلش على حد بنقطة عرق، بس كمان كرامتها وراحتها في بيتها خط أحمر. دمتم عيلة جميلة ودام الود بيننا».
بعد ما نزلت الرسالة بالصور والفيديوهات… الجروب اتقلب صمت تام.
العمات والأعمام اللي كانوا داخلين يزايدوا ويهاجموا، شافوا بعينيهم سفرة السمك، وشافوا فيديو حماتي وهي بتتخدم زي الملكة في الشرفة، وشافوا أمي وهي بتتحرك وتخدم. الصورة كانت أبلغ من ألف كلمة.
أول عمة ردت، كنسلت كلامها القديم وكتبت:
— “ما شاء الله يا حبيبة، ربنا يديم العمار. تسلم إيد مامتك على الكرم ده، وفعلاً أم حبيبة مشهورة بأصلها الطيب.”
عم جوزي دخل بعدها وكتب:
— “تسلم الأصول يا بنتي، وحقك علينا جميعاً. أم فلان طبعاً أختنا ونسيبتنا وعلى راسنا، بس كرم مامتك واضح للجميع وما حدش يقدر ينكره.”
حماتي في لحظتها لقيِت نفسها اتكشفت قدام العيلة كلها. المحاولة اللي كانت عايزه تظهر بيها كـ “ضحية مطرودة”، اتجلت قدام الكل إنها كانت مقيمة في “منتجع ملكي” وبتاخد أفضل خدمة، وأن كل الادعاءات كانت مجرد تمثيل لقلب الحقائق!
مسحت حماتي البوست بتاعها فوراً من الجروب، وقفلت تليفونها بقية اليوم.
عدى شهر… وكانت القاهرة بدأت تدخل في أجوائها الشتوية، والكل انشغل بشغله وحياته.
حماتي حاولت تقاطعنا وتعمل غاضبة، بس جوزي كان خلاص فهم اللعبة. بقى يزورها لوحده، يسأل عليها، يقضي طلباتها، بس لما كانت تفتح سيرة أمي أو الشرفة أو الصيف، كان بيرد بكلمة واحدة:
— “يا أمي، اللي حصل حصل، وطنت أم حبيبة شالتك في عينيها الصيف كله، يا ريت نعدي الصفحة دي عشان نعرف نعيش”.
لكن الأحداث ما وقفتش هنا.
في نص شهر نوفمبر، تعبت حماتي فجأة. جاتلها أزمة صحية شديدة، وكانت محتاجة عملية جراحية ورعاية مستمرة لمدة أسبوعين بعد الخروج من المستشفى.
أختها (اللي حضرت عزومة السمك) اعتذرت إنها مش هتقدر تستقبلها في بيتها لأن بيتها مليان أحفاد وضوضاء. وبقية القرايب اعتذروا بحجج مختلفة.
جوزي جالي البيت وهو شايل الهم، محتار ومكسوف يطلب مني أي حاجة. قعد جنبي وقال بصوت واطي:
— حبيبة… أمي تخرج من المستشفى بكرة، والدكتور قال محتاجة حد يرعاها ويطبخ لها أكل معين وياخد باله من أدويتها لمدة أسبوعين. أختها اعتذرت، وأنا مش عارف أوديها فين… هي طبعاً مش هتقدر تقعد لوحدها.
بصيت لجوزي… وعرفت إن دي اللحظة الحقيقية لإظهار الفرق بين “الأصول” وبين “الانتقام”.
قلت له:
— تجيبها هنا يا حبيبي. تقعد في أوضة الضيوف عندنا. أنا هراعيها وهعمل لها أكلها وأدويتها.
جوزي بصلي بذهول، كأنه مش مصدق:
— بجد يا حبيبة؟ بعد كل اللي عملته؟
قلت له:
— إحنا بنعمل بأصلنا يا حبيبي. لما كانت صحتها كويسة وتتعدى حدودها، وقفناها عند حدها بالاحترام. بس وهي مريضة ومحتاجة مساعدة، الدين والأصول بيقولوا إننا نقف جنبها. أمك هتيجي هنا مكرمة، بس بشروط بيتي أنا المرة دي.
ورجعت حماتي… بس المرة دي، مش كـ “سيدة المكان” ولا كـ “مفتش المنتجع”، المرة دي رجعت كإنسانة ضعيفة محتاجة رعاية، وفي بيت أنا صاحبة الكلمة الأولى والأخيرة فيه.
خرجت حماتي من المستشفى، وجابها جوزي على بيتنا.
كانت دبلانة، حركتها بطيئة، ونظرات القوة والتسلط اللي كانت في عينيها طوال الصيف تبخرت تماماً. دخلت الأوضة المجهزة ليها، وبصتلي بنظرة فيها خليط غريب من الكسوف، الخوف، والرغبة في استكشاف المكان… كانت خايفة أرد لها الصاع صاعين وأنا في موقع القوة.
لكن أنا كنت حاسمة ومحددة من أول دقيقة.
أول ما ارتاحت في سريرها، دخلت لها بتلج وماء دافي، وحطيت جنبها جدول الأدوبة. وقفت قدامها وقلت لها بنبرة هادية جداً، بس فيها كل الحزم:
— حمد الله على سلامتك يا طنط. الأوضة دي أوضتك، والراحة هنا تامة. الأكل هينزل في معاده، والدوا في معاده. بس عشان نبقى متفقين من أول يوم… بيتي له نظام. الهدوء هنا مطلوب، وأي حاجة تحتاجيها تطلبيها بوضوح، ومن غير تلفظ بكلمات تدايق حد. أنا هخدمك بعيني عشان ربنا وعشان جوزي، بس بالاحترام المتبادل.
حماتي بصتلي، هزت رأسها ببطء، وقالت بصوت خافت جدًا لأول مرة أسمعه منها:
— الله يسلمك يا بنتي… تسلم إيدك.




