
مرت الأيام الأولى، وكنت قائمة بجدول الرعاية بكل أمانة. أعمل لها الأكل الصحي المسلوق اللي الدكتور طلب، أغير لها على الجرح، وأظبط أوقات الدوا. وجوزي كان شايف كل ده بعينيه، وكل يوم يزيد احترامه ليا ويكبر قدر أمي في نظره.
لكن “طبع التحكم” صعب يتغير في يوم وليلة.
على الأسبوع التاني، لما بدأت صحة حماتي تتحسن وبدأت تقف على رجليها وتتحرك في الشقة… بدأت مشاعر التحكم القديمة تصحى جواها تاني.
في يوم، كانت أمي جاية تزورها وتطمن عليها وعلى صحتها بعد العملية. أمي دخلت شايلة معاها شوربة كوارع وأكل دافي وعصير طازة، دخلت الأوضة بابتسامتها البيضا الطيبة وقالت:
— الف سلامة عليكي يا أم فلان، شدة وتزول إن شاء الله، جيت أطمن عليكي وأعمل معاكي الواجب.
حماتي كانت قاعدة على السرير. بدل ما ترحب بيها أو تشكرها، طالعت في الأكل بنظرة تفحص باردة، وقالت بنبرة فيها تعالٍ ومحاولة لاستعادة سلطتها المفقودة:
— الله يسلمك… بس الدكتور منعني من الدسم ده خالص، هو إنتي ما تسأليش قبل ما تجيبي أكل؟ وبعدين الشقة هنا حاساها مكركبة شوية، حبيبة مشغولة جدًا في الشغل وما بتلحقش تنضف المطبخ زي ما إنتي معوداها!
الموقف اتجمد في ثانية.
أمي اتلخبطت ووقفت الأكل في إيدها، وكانت زي العادة هتبدأ تعتذر وتقول: “حقك عليا ماخدتش بالي…”.
لكن المرة دي… التغيير ما كانش مني أنا.
المرة دي… التغيير جه من جوزي نفسه!
جوزي كان واقف على باب الأوضة وسمع الكلمتين. دخل الأوضة خطوته سريعة ووشه احمر من الغضب. وقف بين أمه وبين أمي، وقال بصوت حاد وجاد جدًا لأول مرة في حياته قدام أمه:
— أمي! لحد هنا وبس!
حماتي اتخضت وبصت له بذهول:
— إيه؟ في إيه يا بني؟ أنا بتقول رأيي!
جوزي قال لها بصوت يرعش من الانفعال المحبوس:
— لأ مش رأيك! دي قلة تقدير! طنط جاية في زحمة السير وعليها تعب المشوار عشان تطمن عليكي، ومراتي شايلة في عينيها الأسبوعين اللي فاتوا من غير ما تشتكي ولا تقصر في كلمة، وأختك وقرايبك كلهم اتخلوا عنك! بدل ما تقولي شكراً وتسمي الله، بتقولي كلام يضايق؟ بيتي نضيف، ومراتي ست البنات، وطنت أم حبيبة قدرها فوق راسنا كلنا! لو مش عارفة تقدري الوجود والخدمة اللي بتتقدم لك بالاحترام، يبقى لما تقومي بالسلامة بكرة ترجعي بيتك فوراً!
الهدوء اللي نزل على الأوضة كان عميق.
حماتي بصت لابنها بذهول متناهي. كانت دي الصدمة الحقيقية ليها… إن السيطرة المطلقة على ابنها انتهت للأبد، وإن الصوت اللي كانت بتستعمله لترهيب الجميع ما بقاش يشتغل.
أمي بصت لجوزي بعينين مليانة دموع، بس المرة دي دموع الفخر بإن حقها وجهد بنتها ما راحوش هدر.
حماتي نزلت عينها في الأرض، وشها أصفر، وما قدرتش تنطق بكلمة واحدة. عرفت إن كل الكروت اللي في إيدها اترمت، وإن القواعد القديمة اتغيرت تماماً.
تاني يوم الصبح… كانت حماتي جاهزة للرجوع لبيتها.
وقفت على باب الشقة وهي شايلة شنطتها. بصت لأمي اللي كانت حاضرة، وبصتلي… وفي عينيها نظرة استسلام كامل.
وقربت من أمي، ومدت إيدها… ولأول مرة من يوم ما اتجوزنا، قالت بصوت واطي وصادق من غير أي تصنع:
— سامحيني يا أم حبيبة… أنا غلطت في حقك كتير. كرمك وطيبتك كانوا أكبر مني، وأنا ما عرفتش أقعد في بيتكم بأصول.
أمي ابتسمت ابتسامتها الحنونة، وأخدتها بالحضن وقالت لها:
— المسامح كريم يا أم فلان… بيتنا هيفضل مفتوح، بس بالمعروف.
خرجت حماتي من الشقة، واتقفل الباب وراها.
بصيت لجوزي، وبصيت لأمي… الشباك كان مفتوح، ونسيم الصبح داخل الشقة نضيف ورايق.
لكن الحكاية ما انتهتش عند الباب المقفول… لأن الصيف اللي بعده كان قرب ييجي، وبيت البحر كان مستنينا، بس المرة دي… بزيارة جديدة ومفاجأة ما كانتش على البال خالص.
رجع الصيف من جديد، ورجعت معاه ريحة البحر ونسيم الصباح اللي بنعشقه.
قفلنا شقتنا في القاهرة، وأخدنا الطريق لبيت أمي. كانت السعادة مالية العربية، والجو بيني وبين جوزي في أفضل حالاته. المشاكل القديمة بقت مجرد ذكريات ودروس اتعلمنا منها الكل، وأمي كانت قاعدة في الكرسي اللي ورا، مبسوطة وطايرة من الفرحة إنها راجعة لبيتها وزرعها وشرفتها الساحرة.
أول ما وصلنا، فتحنا أبواب البيت، والهوا الجميل دخل ينضف كل ركن. أمي جرت فوراً على الشرفة، تسقي أحواض الورد اللي كبرت وبقت ألوانها تجنن، ووقفت تبص للبحر بابتسامة نصر ورضا… المكان رجع بيتها، مملكتها الصغيرة اللي ما حدش يقدر يسلبها حريتها فيه.
وبعد يومين من الاستقرار، اتصلت حماتي.
صوتها على التليفون كان مختلف تماماً عن السنة اللي فاتت. ما بقاش فيه نبرة التكلف أو الأوامر، كان فيه استئذان واضح ورجاء هادي:
— حبيبة يا بنتي… كل سنة وأنتم طيبين. أنا عرفت إنكم سفرتم بيت البحر. كنت حابة أستأذنكم… لو ينفع أجي أقضي معاكم تلات أيام بس أغير جو، ولو فيه أي إزعاج قولوا لي بصراحة.
بصيت لجوزي، وبصيت لأمي. أمي هزت رأسها بالرحب، فقلت لها بنبرة راقية ومحترمة:
— تنوري يا طنط في أي وقت… البيت بيتك، أهلاً وسهلاً بيكي




