
ووصلت حماتي يوم الجمعة.
لكن اللي نزل من العربية المرة دي… كانت إنسانة تانية خالص.
أول ما دخلت من باب البيت، ما راحتش تتفقد الصالة ولا تتجه للشرفة مباشرة زي زمان. أول حاجة عملتها، قربت من أمي، سلّمت عليها بحرارة وسلمت عليها من خدودها، وكانت شايلة في إيدها شنطة كبيرة فيها حلويات فاخرة وهدايا جابتها مخصوص لأمي.
وقالت بصوت دافي:
— تسلمي يا أم حبيبة إنك استقبلتيني عندك… ربنا يديم العمار في بيتك.
واللي حصل في التلات أيام دول كان أشبه بالمعجزة.
الساعة ستة الصبح، أمي صحيت عشان تعمل القهوة… لقيت حماتي صاحية قبلها! واقفة في المطبخ بالراحة، بتغلي المية، ولما شافت أمي دخلت، ابتسمت وقالت:
— صباح الخير يا أم حبيبة… القهوة على النار، قعدي إنتي واستريحي وأنا هجيبها ونشربها سوا في الشرفة.
أمي بصتلي بذهول، وأنا حطيت إيدي على بوقي عشان أداري ابتسامتي.
طول فترة إقامتها، حماتي ما سابتش طبق في الحوض. كل ما ناكل، تقوم هي الأولى تلم السفرة، تغسل الصحون، وتصر إن أمي ما تقفش في المطبخ. ولما كانت تعوز حاجة، تطلبها بكسوف واستئذان.
وفضل المشهد الأهم… مشهد الشرفة.
في آخر يوم ليها، خرجت حماتي وقعدت على نفس الكرسي. بصت لأحواض الزرع والورد اللي كانت السنة اللي فاتت بتطالب بشيلهم بحجة إنهم حاجبة المنظر.
فضلت باصة للورد فترة طويلة، وبعدين بصت لأمي اللي كانت قاعدة جنبها بتشرب الشاي، وقالت بنبرة صادقة جداً:
— تعرفي يا أم حبيبة؟ الورد ده محلي الشرفة بشكل مش طبيعي… أنا مش عارفة أنا كيف كنت شايفاه حاجب المنظر السنة اللي فاتت. حقيقي ذوقك بياخد العقل، والبيت بوجودك ووجود زرعك فيه روح حلوة أوي.
أمي ابتسمت ابتسامة هادية، أخدت نفس عميق من هوا البحر، وقالت:
— الورد ما بيضايقش حد يا أم فلان… الورد بس محتاج العين اللي تشوف جماله، والقلب اللي يقدر تعب اللي زرعه.
حماتي هزت رأسها بفهم وكسوف، ومسكت إيد أمي وقالت:
— عندك حق… وعندك حق في كل كلمة.
في اللحظة دي، وأنا واقفه بعيد برقبهم وبشرب القهوة مع جوزي، حسيت بانتصار حقيقي.
الانتصار ما كانش إننا نكسر حد ولا إننا نخسر عيلتنا… الانتصار الحقيقي كان إننا حطينا حدود بكرامة وأدب. علّمنا اللي قدامنا كيف يعاملنا ويحترمنا من غير ما نخرج عن شعورنا، ومن غير ما نقطع صلة الرحم.
بيت أمي ما بقاش منتجع مجاني للخدمة على مدار الساعة… بيت أمي رجع واحة للحب، والاحترام المتبادل، والهدوء.
والشرفة… فضلت أحواض الورد فيها ثابته في مكانها على السور، بتفتح كل صباح، وشاهدة على إن الكرامة لما بتحافظ عليها، بتجبر الكل إنه يحترمك.



