عام

حكايات اسما السيد 5

وقفت مكاني ورا الباب المقفول، قلبي بيضرب في قفصي الصدري زي المطرقة. الصوت الناعم الباكي من ورا الباب كان بيخترق جدراني الدفاعية اللي بنيتها بدمي وعرقي طوال الأيام اللي فاتت.

“أنا ياسين.. بابا وماما مشيوا مع الشرطة وسابوني، والمربية قفلت الشقة ومشت لما عرفت إن مفيش فلوس.. قالولي أروح للست اللي في العنوان ده.”

ابن سامح ونهى! الطفل اللي اتولد في السر، اللي اتبنت حياته ورفاهيته وألعابه من تحويشة عمري وبيع دهبي والمبالغ اللي كنت بستقطعها من قوت يومي. الطفل اللي وجوده كان الدليل الحقيقي على أكبر كذبة عشتها 30 سنة، لما سامح أقنعني إني ما بقدرش أخلف ومبجيبش أطفال عشان يحسسني بالذنب والتبعية!

إيدي اترددت على المفتاح. عقلي كان بيصرخ: “اقفلي الباب وما تفتحيش! ده ابن الناس اللي دمروا حياتك وأخذوا حق أبوكي وسرقوا عمرك!”

بس ضميري وقلبي اللي ما ماتوش رغم كل اللي حصل، كانوا بيهمسوا بصوت تاني: “الطفل ده ملوش ذنب.. ده ضحية ثانية للأشخاص دول.”

فتحت الباب ببطء.

كان واقف في الممر الصغير، ماسك شنطة ظهر صغيرة على كتفه، وإيديه بتترعش من البرد، وعينيه واسعة مليانة دموع وخوف حقيقي. أول ما شافني، اتراجع خطوة لورا.

بصيت له طويلاً.. ملامحه كانت مزيج بين سامح ونهى. نفس رسمة العينين ونفس الحركة الخفيفة في إيديه.

نزلت لمستواه، وقعدت على ركبتي قصاده، وبصيت في عينيه بصوت محايد خالي من القسوة:

— أدخل يا ياسين.

دخل الطفل بخطوات خايفة، وبص للشقة الكبيرة اللي كانت فاضية وساكتة. حط شنطته على الأرض وقعد على طرف الكنبة كأنه خايف يلمس حاجة.

— أنت عارف أنا مين؟ — سألته وأنا واقفة بعيد عنه.

هز رأسه ببطء وقال بصوت خافت:

— ماما نهى كانت دايمًا بتتكلم عليكِ.. كانت بتقول إنك الست اللي بتدفع مصاريف مدرستي وتكاليف النادي.. بس بابا كان بيزعل لما تقول كده ويقولها اسكتي متجيبيش سيرتها قدام الولد.

الكلمة نزلت عليا تقيلة. حتى الطفل الصغير كان عارف بطريقة غير مباشرة إني أنا مصدر الأموال!

رحت المطبخ، عملت له كوباية لبن دافي وجبت له بسكويت، وحطيته قدامه. أكل بجوع وخوف، وبعد ما خلص، بصلي وسألني ببراءة موجعة:

— هو بابا وماما هيبعدوا كتير؟ هما عملوا إيه يا طنط؟

غمضت عيني لحظة عشان أمنع الدموع إنها تنزل.

— بابا وماما أخدوا حاجات مش بتاعتهم يا ياسين.. وعملوا حاجات غلط كتير ولازم يتحملوا مسؤوليتها عشان القانون ما بيسيبش حد يظلم حد.

الولد طأطأ رأسه وبدأ يبكي بصوت واطي:

— أنا خايف.. أنا مش عايز أروح دار رعاية.

في اللحظة دي، الموبايل في جيبي رن.

كان أستاذ إبراهيم، المحامي الجديد اللي مسك قضايايا بعد سقوط المحامي عادل.

رديت على المكالمة ورحت بعيد عن الولد:

— أهلاً يا أستاذ إبراهيم.

— مدام هدى.. النيابة للتو أصدرت قرار بالتحفظ على شقة الساحل وشقة القاهرة الخاصة بنهى وسامح، ورجال الشرطة لما راحوا ينفذوا القرار لقوا إن الشقق مقفولة والطفل ياسين مش موجود.. هل عندك علم هو فين؟

أخدت نفس عميق وبصيت للولد اللي قاعد على الكنبة:

— ياسين عندي في البيت يا أستاذ إبراهيم.

إبراهيم اتفاجئ وقال بسرعة:

— عندك في البيت؟! مدام هدى، الطفل ده ابن الناس اللي دمروا حياتك! أهله تحت التحقيق وهيتعرضوا لقضايا ممكن تستمر سنوات! المفروض نبلغ النيابة ونسلمه لدار رعاية أو لأي حد من قرايب أمه!

رديت بصلابة ووضوح:

— قرايب أمه اللي هما دكتورة منى، وأخويا طارق، وميرفت، كلهم تحت التحقيق! مفيش حد من العيلة دي متاح يا أستاذ إبراهيم.. والطفل مالوش ذنب في أخطاء الكبار.

— يعني ناوية تعملي إيه يا مدام؟

— أنا مش هتبناه ومش هعيشه معايا كابن.. بس مش هسيبه يترمى في الشارع أو في دور الرعاية من غير ما أساعده. أنا هستخدم جزء من أموال الميراث اللي أبويا خصصها لحسابات الأحفاد والجمعيات الخيرية، وأوفر له سكن محترم ومربية أمينة ومدرسة، وهكون المشرفة القانونية والمالية عليه بعيد عني وعن بيتي.. لحد ما يكبر ويقدر يقف على رجليه.

أستاذ إبراهيم سكت طويلاً، وبعدها قال بنبرة مليانة احترام:

— أنتِ ست عظيمة يا مدام هدى.. بعد كل اللي عملوه فيكي، لسه قلبك فيه مكان للرحمة.

قفلت المكالمة.

ثاني يوم الصبح..

بدأت معركة إعادة بناء حياتي وتطهير كل شبر اتنسجت فيه الخيانة.

أول خطوة عملتها: نزلت مع المحامي أستاذ إبراهيم ورجال الأموال العامة على الشركة اللي سامح كان بيستخدمها في التعاملات المالية.

بموجب القرارات الرسمية والوصية، استلمت إدارة الشركة بالكامل. أبعدت كل الموظفين اللي ثبت تورطهم في المخالفات، وغيرت اسم الشركة لـ “شركة السلام للأعمال الإنسانية والاحتياجات الخاصة”.

الخطوة الثانية: رحت على بيت أخويا طارق. مراته “سمر” كانت قاعدة بتبكي مع عيالها الصغار بعد ما طارق اتوقف رسميًا على ذمة التحقيقات.

أول ما شافتني، جريت ناحيتي وهي بتتوسل:

— هدى! أرجوكِ يا هدى! العيال ملهمش ذنب! طارق كان غلطان، بس العيال مالهمش علاقة!

بصيت لولاد أخويا الصغار اللي كانوا خايفين في زاوية الأوضة.. نفس المشهد اللي شفته مع ياسين.

رفعتها من الأرض وقلت لها بصرامة:

— طارق هيتحمل نتيجة أخطائه، ومش هتدخل عشان أخرجه.. بس عياله مش هيتشردوا. هخصص لهم مرتب شهري يعيشهم بكرامة ويكملوا تعليمهم، بشرط إنك تربيهم على النظافة والشرف وميطلعوش خاينين زي أبوهم!

سمر قعدت تبكي وتدعيني، وأنا سيبتها وخرجت.

الخطوة الثالثة والأصعب: زيارة مكان الاحتجاز!

طلبت إذن رسمي لمواجهة سامح قبل إحالته للمحكمة.

قعدت في غرفة الزيارة، ورا السلك الفاصل.

بعد دقائق، الباب الحديدي اتفتح.. ودخل سامح.

ما كانش هو نفس الرجل الأنيق المتباهي اللي كان بيمثل المرض ويضحك في المستشفى مع نهى.

كان لابس ملابس الاحتجاز، وشه شاحب وشعره أبيض بالكامل في أيام قليلة، وعينيه غايرة ومكسورة تماماً.

أول ما قعد قصادي، بصلي بعيون مليانة خزي، ودموعه نزلت على إيديه:

— هدى.. أرجوكِ.. بلاش تبصيلي النظرة دي.

ابتسمت ابتسامة هادية جداً:

— بصة إيه يا سامح؟ دي النظرة الحقيقية اللي كان المفروض أبصهالك من 30 سنة.

سامح حط رأسه على الترابيزة وبدأ يبكي:

— أنا آسف.. أنا أتعميت بالجشع! عادل ونهى هما اللي جروني للطريق ده! هما اللي اقترحوا عليا أخدعك وأضر والدك! أنا بحبك يا هدى! والله العظيم طوال الـ30 سنة ما حبيت غيرك!

رفعت حواجبي بذهول:

— بتحبني؟ بتحبني عشان كده حرمتني من الأطفال وعشتني في وهم؟ عشان كده بعت دهبي وسحبت تحويشة عمري وخليتني أخسر حقي؟

سامح.. أنت ما بتحبش غير نفسك.

— هدى.. عشان خاطر ياسين ابني! متسبنيش هنا! ساعديني وأنا مستعد أعيش طول عمري أحاول أصلح اللي عملته!

قربت من السلك، وقلت له بصوت واطي وواضح:

— ياسين عندي يا سامح.

سامح رفع رأسه بسرعة بقلق:

— ياسين عندك؟! عملتِ فيه إيه؟!

— ما تقلقش.. أنا مش زيك ولا زي نهى. أنا مش هحرمه من الإنسانية. ياسين عايش في مكان نظيف وبيتعلم، وهكبره وأربيه بعيد عن أخطاء الماضي، عشان لما يكبر يعرف إن الست اللي أهله أذوها.. هي نفسها اللي ساعدته.

أما أنت.. فأنت هتفضل تواجه نتيجة اختياراتك، وهتشوف كل يوم خسارتك الكبرى: خسرت الثروة، وخسرت الثقة، وخسرت ابنك، وخسرت الست اللي كانت مستعدة تضحي بحياتها عشانك!

قمت وقفت عشان أمشي.

سامح بدأ ينادي عليا ويتمسك بالسلك، والضباط بيرجعوه لورا وهو بيبكي:

— هدى! متسبنيش يا هدى! أرجوكِ يا هدى!

سيبته وخرجت لبره.

الهوا كان نقي وبارد، والشمس كانت طالعة بصورة ساطعة جداً.

ركبت عربيتي وطلعت على الشارع الرئيسي.

لكن وأنا ماشية في الطريق متجهة للبيت عشان أبدأ ترتيبات الوصية وفتح المؤسسة الخيرية الخاصة بوالدي، الموبايل على التابلوه اهتز بإشعار جديد!

فتحت الإشعار وأنا سايقة.

كانت رسالة رسمية جايالي من المكتب الهندسي الدولي المسجل في لندن، واللي كان أبويا بيتعامل معاه من 20 سنة.

مضمون الرسالة كان بيسأل عن وثيقة ملكية سرية متسجلة باسم والدي المرحوم لخزينة استثمارية في بنك سويسري، قيمتها تتجاوز ثلاثة أضعاف الميراث اللي استلمته!

والسطر الأخير في الرسالة كان مكتوب فيه:

“نود إعلامكم أن الوثيقة تتطلب توقيع شريكك الآخر المذكور في العقد المغلق منذ عام 1995.. والذي يحمل اسم: هدى عبد الرحمن وشقيقها المجهول المولود في الخارج!”

وقفت العربية في نص الشارع والذهول أكل عقلي تماماً.

شقيقي المجهول المولود في الخارج؟!

أبويا كان مخلف ولد تاني غيري وغير طارق بره مصر من 30 سنة؟!

اتسمرت في مكاني جوه العربية، والعالم كله بره الإزاز كان بيمشي بسرعة وأنا واقفة في نقطة الثبات والذهول.

شقيقي المجهول المولود في الخارج؟!

أبويا، الراجل اللي كنت شايفاه مثال للالتزام والوضوح، الراجل اللي عاش ومات وهو بيبين لنا إننا عيلته الوحيدة.. كان مخبي سر بالحجم ده من 30 سنة؟

سر مدفون في بنك سويسري بقيمة تتجاوز كل اللي اتصارعنا عليه؟

إيدي كانت بتترعش وأنا ماسكة الموبايل وبقرا الرسالة للمرة الألف.

أستاذ إبراهيم المحامي كان أول حد جه في بالي. اتصلت بيه فوراً وقبل ما يقول “أهلاً” كنت بمليه نص الرسالة والاسم المكتوب فيها.

أستاذ إبراهيم سكت لحظات، وصوته اتغير للجدية المطلقة:

— مدام هدى.. انزلي لي المكتب فوراً، ومتابعة الملف ده لازم تتم في سرية تامة بعيداً عن أي أوراق أو تحريات محلية.

بعد ساعتين كنت قاعدة في مكتب أستاذ إبراهيم، وأمامي أوراق البحث اللي بدأ يعملها عن طريق مكاتب دولية متخصصة في تتبع التركات العابرة للحدود.

القصة كانت أعمق مما أتخيل.

أبويا في سنة 1995، وقت ما أنا كنت بتجوز سامح وكنت عمياء بحبه المزيف، اكتشف إن سامح وعادل المحامي وأخويا طارق بدأوا يتكتلوا حوليه ويطمعوا في ثروته.

وقتها، أبويا سافر ألمانيا في رحلة علاج، وهناك اتعرف على سيدة كانت بتتعالج في نفس المستشفى، وارتبط بيها في السر بعقد شرعي، وأنجب منها ولد سماه “عمر”.

ولأنه كان عارف إن المشاكل اللي بتدور حواليه في مصر ممكن تأذي أي حد يقرب منها، قرر يحمي ابنه الصغير ويحميني أنا كمان من غير ما أعرف.

سجل الخزنة البنكية الكبرى في سويسرا باسمي أنا وأخويا الصغير “عمر”، وكتب في عقد الخزنة شرط استثنائي:

“لا تُفتح الخزنة إلا بتوقيع الشريكين معاً بعد بلوغ عمر سن الـ30 أو عند انكشاف المؤامرة الكبرى!”

عمر كان وصل سن الـ30 في نفس السنة دي.. 2026!

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى