عام

حكايات اسما السيد 5

خلال أسبوعين من البحث والتواصل الدولي، أستاذ إبراهيم قدر يوصل لمكان “عمر”.

عمر طلع مهندس معماري عايش في ميونخ، شاب طموح وهادي، ملامحه كانت نسخة قريبة جداً من أبويا رحمه الله.. نفس العيون الدافية، ونفس الثبات والشموخ.

يوم اللقاء في القاهرة..

قعدت في صالة بيتي مستنياه. لما الباب رن وفتحت، شفته واقف قدامي.

في لحظة، حسيت إن الشاب ده مش غريب.. ده الجزء الجميل الباقي لي من ريحة أبويا.

عمر بصلي بعيون مليانة دموع وابتسم ابتسامة حنونة:

— أهلاً يا أختي.. أنا طوال عمري كان نفسي أشوفك، بس بابا كان دايمًا بيقولي: “هييجي اليوم اللي تحمي فيه أختك وتكون سندها لما المشاكل كلها تنتهي.”

الدموع نزلت من عيني، ولأول مرة من 30 سنة أخدت حضن أخ حقيقي.. حضن مفيش فيه طمع، ولا خيانة، ولا حسابات خفية.

رحنا سَوا مع أستاذ إبراهيم، ونهينا كل الإجراءات القانونية الخاصة بالحساب السويسري.

الثروة اللي أبويا سابها لنا، استخدمنا جزء كبير منها في تأسيس “مؤسسة عبد الرحمن الخيرية لإعادة بناء حياة ضحايا الخداع والخيانة”، وخلينا إدارتها مشتركة بيني وبين عمر.

أما باقي الأطراف.. فالعدالة والقانون أخدوا مجراهم:

– سامح وأستاذ عادل: المحكمة أصدرت ضد كل واحد فيهم حكمًا بالسجن المشدد 15 سنة بتهم التزوير والخداع والاستيلاء والمشاركة في المخالفات المالية، مع مصادرة الأصول والشركات الوهمية لصالح رد الحقوق. سامح قضى أيامه في السجن غارقًا في الندم، بعد ما أدرك إن الطمع اللي قاده كان سبباً في ضياع حياته بالكامل.

– نهى ودكتورة منى وميرفت: صدرت بحقهم أحكام متفاوتة بالسجن بين 7 لـ10 سنوات لمشاركتهم في المخالفات والتزوير، والشركة الوهمية بتاعتهم تم تصفيتها بالكامل.

– طارق أخويا: أخد حكم بالسجن 5 سنوات بصفته شريكًا ومسهلاً لعمليات الاختلاس. وقضى سنواته بعيدًا عن بيته وعياله، واللي أخته اللي خانها هي الوحيدة اللي بتكفلهم وتصرف عليهم من بعيد عشان يتربوا بكرامة.

– الطفل ياسين: كبر في بيئة صحية، وتحت رعايتي وإشرافي المالي من بعيد، بعيداً عن أخطاء أهله، يتعلم الصدق والشرف، عشان ما يكرر نفس المأساة.

مرت السنين.

قاعدة في بلكونة بيتي الجديد المطل على نيل القاهرة، الهواء النقي بيلف حولي، وفي إيدي كاس شاي دافي.

الكشكول القديم كان مفتوح قدامي على الترابيزة.. الكشكول اللي بدأ بدقايق حزن وخيانة قدام باب المستشفى.

قريت السطور الأولى اللي كتبتها زمان بإيدين بترتعش ودموع مكسورة.. وابتسمت ابتسامة هادية.

مسكت القلم وكتبت في الصفحة الأخيرة، كلمة النهاية بحروف واثقة ومستقيمة:

“ظنوا أنهم يستغلون ضعفي ليأخذوا مني كل شيء.. ولم يعلموا أن الخيانة كانت الباب الوحيد الذي فتح لي طريق القوة، والحقيقة، والحرية.

خرجتُ من سجن أوهامهم، مفرغة الجيوب من أحلامهم، ولكنني ملكت الدنيا حين استرددتُ نفسي، وأخاً حقيقياً، وحق أبٍ ترك خلفه عدلاً لا يُنسى.

هنا تنتهي الكذبة.. وتبدأ الحياة.”

قفلت الكشكول.. وقفلت معاه كل أبواب الماضي إلى الأبد.

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى