
تردد صدى صوت حماتي في أرجاء الشقة وهي تتحدث في الهاتف بنبرة باكية ومفتعلة، كانت تنادي على عم كريم “الحاج فتحي” وهو الكلمة المسموعة في العائلة والمسؤول عن حل أي خلاف. سمعتها تقول بمرارة: تعال شوف يا حاج فتحي ابن أخوك كريم عمل إيه فيا! بقى يصرخ في وشي في بيتي عشان مرات العز عزته، ورفضت تنضف بعد الأكل وقالتلي مش جاية أخدم عندك! تعال لحق ابن أخوك قبل ما البيت يتهد.
كانت كلماتها تعيد رسم الحقيقة بأسلوب يجعلني الظالمة وحماتي هي الضحية والمجني عليها.
التفتّ لكريم، فرأيت وجهه يتغير لونه بالكامل، وملامحه المترددة بدأت تتحول إلى خوف وشعور بالضغط. عمّه ليس مجرد قريب، بل هو الشخص الذي كان يرجع إليه كريم في كل أمور حياته بعد وفاة والده. نظر إليّ كريم بضيق واضح، ونبرته هادئة كأنها عتاب اتهامي:
عجبك كده؟ أهو عمي جاي، وتكبر المسألة وتبقي إنتي السبب في إن العائلة كلها تتكلم علينا! ما كانش ممكن تعدي الكلمة وتغسلي المواعين وخلاص؟ كان جرى إيه يعني؟
قفزت إلى صدري نبرة القهر، فرددت بنفس الهدوء والصلابة:
أنا ما عملتش حاجة غلط يا كريم. أنا رفضت الإهانة ورفضت المبدأ، لكن إنت اللي سايب أمك وإخواتك يحرّفوا الكلام قدامك. لما عمك ييجي، أنا هقول الحقيقة زي ما حصلت بالضبط، مش هقبل أكون شماعة لأي حد.
خرجنا من المطبخ إلى الصالة. كانت حماتي تجلس على الكنبة الكبيرة وهي تمسح دموعها بمنديل، وسعاد ومها تقفان بجانبها يمسدان على كتفها بنظرات فيها الكثير من التأكيد على تمثيليتها.
لم تمر سوى نصف ساعة حتى سمعنا جرس الباب. فتح كريم، ودخل الحاج فتحي بكل هيبته، يرتدي جلبابه ويمسك بعصاه. كانت ملامحه حادة ورسمية، ودخل فوراً دون أن يلقي التحية بكامل أريحيتها.
جلس الحاج فتحي ونظر إلى الجميع، ثم وجه نظره لي لكريم وقال بصوت جاف:
إيه اللي بيحصل هنا؟ بقى يا كريم، كبِرت ونسيت إن أُمك هي اللي ربّت وكبّرت؟ أُمك تبكي وتتصل بيا في نص اليوم تقولي ابنك ومراته أهانوني؟
قبل أن ينطق كريم، قاطعت حماتي المشهد ونظرت للحاج فتحي وقالت:
شايف يا حاج؟ أدي العروسة الجديدة اللي دخلناها بيتنا.. عزمتها وأكّلتها من خير بيتي، أول ما قلتلها قومي يا بنتي مساعدة خفيفة اغسلي المواعين وتنضفي، قالتلي أنا مش خدامة عندك، وابني وقف في وشي ودافع عنها وقاللي دي مش شغلتها!
في تلك اللحظة، نظرت للحاج فتحي بثبات، وقبل أن يتكلم كريم أو يبرر بالباطل، رفعت رأسي وقلت بصوت واثق ومسموع للجميع:
يا حاج فتحي.. حضرتك راجل حقاني والأصول عندك قبل أي شيء، وعشان كده أنا هقول لحضرتك اللي حصل بالحرف، وربنا شاهد على كلامي…
“مواجهة الكبار”
صمت الجميع في الصالة كأن على رؤوسهم الطير، وتوجهت كل الأبصار نحوي. ألقى الحاج فتحي نظرة ثاقبة إليّ، ثم نظر إلى كريم وإلى أخته المحبوسة دموعها، وهز رأسه ببطء وقال بصوت جهوري يحمل مهابة الكبار:
اتكلمي يا بنتي.. نسمع منك، الحق ما يزعلش حد، وأنا هنا عشان أسمع وأحكم بالعدل، لا أظلمك ولا أظلم أختي.
أخذت نفسًا عميقًا، ونظرت في عين الحاج فتحي مباشرة، ممتنعة تمامًا عن النظر لحماتي أو لأختي كريم حتى لا أظهر بمظهر الضعيفة أو الارتباكة، وقلت:
يا حاج فتحي، أنا أتربيت في بيت يعرف الأصول ويعرف احترام الكبير، وحضرتك عارف العائلات وأصولها كويس. أنا دخلت الشقة دي النهارده بعزومة كريم وأمه، وكنت داخلة بحب واحترام، وقعدنا وأكلنا مع بعض والجو كان طيب. لكن أول ما خلصنا أكل، وطبعًا حضرتك عارف إن المطبخ ممتلئ بآثار الطعام والحلل الثقيلة، حماتي قالتلي قدام بناتها وبصوت عالي: “يلا يا عروسة قومي اغسلي المواعين واكنسي الشقة والسجاد عشان أشوف شطارتك”.
التفتُ برهة نحو بنتيها وقبل أن تنطقا، تابعت بثبات:
بناتها الاثنين كانوا قاعدين في الصالة ماسكين الموبايلات، ولا واحدة فيهم قامت تشيل طبق من السفرة. لما لقيت الأسلوب أسلوب اختبار وإهانة متعمدة قدامهم، أنا ما قُلتش “أنا مش خدامة” زي ما طنط قالت لحضرتك، أنا قلت بكل أدب: “أنا معنديش مانع أساعد حضرتك في المطبخ، لكن الأصول إننا نلم السفرة كلنا مع بعض، وأنا مش داخلة امتحان عشان أثبت شطارتي”.
اتسعت عينا حماتي وقاطعتني بغضب شديد وهي تؤشر بيدها:
كذابة! كذابة يا حاج فتحي! بتغزل الكلام وتطلّع نفسها بريئة! هي اللي اتنططت عليا وقالتلي أنا مش جاية أخدم، وابنك كسر كلمتي ووقف يغسل معاها في المطبخ عشان يربيني!
ردد الحاج فتحي بنبرة حازمة أوقفت حماتي عن الكلام فورًا:
بس يا أم كريم! سيبياها تكمل كلامها، وأنا هعرف مين اللي صح ومين اللي غلط!
تنفستُ الصعداء وواصلت كلامي متجهة بالحديث للحاج فتحي:
ولما دخلت المطبخ ألم الأطباق عشان أعدي الموقف احترامًا لجوزي، كريم دخل ورايا بحسن نية وحب يساعدني، فطردته أمه واتهمته إنه مسحوب من إيده وإني كسرته، وبدأت التهديدات. يا حاج فتحي، أنا عروسة بقالي شهرين بس، ومجهزة بيتي ومكملة نص دين جوزي، وجاية زيارة، فلما أتعامل كأني مفروضة عليّ الأوامر وبناتها قاعدات يتفرجوا ويبتسموا بسخرية، يبقى الأصول هي اللي اترميت ورا الظهر، ومش أنا اللي يتقال عليا قليلة الأدب أو بكسر كلام حد.
هنا ساد الصمت مرة أخرى، لكن هذه المرة كان صمتًا مختلفًا؛ صمت ثقيل يخيم على المكان. نظر الحاج فتحي إلى بنتي حماتي، سعاد ومها، وقال بحدة:
الكلام ده حصل يا سعاد؟ أنتي ومها كنتوا قاعدين ومحدش فيكم قام يتزحزح من مكانه يلم السفرة مع أمه أو يمد إيده للعروسة؟
ارتبكت سعاد ونظرت للأرض، بينما حاولت مها الدفاع وقالت بصوت متلعثم:
يا خالو.. إحنا راجعين من شغلنا ودراستنا تعبانين، وبعدين دي عروسة جديدة يعني عادي تورّينا نضافتها.. إيه المشكلة؟
ضرب الحاج فتحي عصاه بالأرض بقوة جعلت الجميع يرتجف، وقال بغضب عارم:
المشكلة إنكم ما تربيتوش على الأصول! أنتوا قاعدات في البيت زي الهوانم، وأختكم العروسة جاية زيارة وعزومة، تقوموا تصدروا الأوامر عليها وتفرّجوا الناس على بيتكم؟
ثم التفت إلى أخته (حماتي) ونظر إليها بنظرة مليئة بالعتاب الشديد وقال:
عيب عليكِ يا أم كريم! عيب تطلعي ابنك صغير قدام مراته، وتتصلي بيا في نص النهار وتبكي وتعملي حكاية عشان العروسة رفضت تنمحي بكرامتها الأرض! أنا افتكرت في مشكلة كبيرة، أثاري الموضوع إنك عاوزة تكسري نفسها من أول شهرين؟
شحب وجه حماتي تمامًا، ولم تتوقع أن يأخذ شقيقها الكبير موقفًا ناصعًا إلى هذا الحد. تحولت من موقف الهجوم إلى موقف الضعف والانكسار المفتعل، لكن الحاج فتحي لم يترك لها مجالاً، بل التفت إلى كريم وقال بصوت عالٍ:
وأنت يا كريم! أنت راجل البيت ده بعد أبوك الله يرحمه! ساكت ليه؟ واقف زي الشاهد اللي ما شافش حاجة؟ المفروض أنت من أول كلمة تصون كرامة بيتك وكرامة أُمك في نفس الوقت، مش تسيب الحبل عالغارب لحد ما أختك تتصل بيا وتكبر الشوشرة!
وقف كريم مطأطأ الرأس، يشعر بخزي شديد أمام عمه وزوجته. أدرك في تلك اللحظة أنه بقعوده ومحاولته إرضاء أمه على حساب الحق، خسِر الهيبة أمام الاثنين.
وقف الحاج فتحي مستندًا على عصاه، وقال بنبرة نهائية لا تقبل التراجع:
القعدة دي خلصت. كريم.. خد مراتك واطلعوا على بيتكم دلوقتي، وما شوفش رجلك هنا تاني إلا لما أختي دي تناديكم بحب وتعرف إن العروسة زيها زي بناتها، مش شغالة ولا جاية امتحان!



