روايات وقصص

كشرى حكايات رومانى مكرم 2

نظر إليّ الحاج فتحي وقال بنبرة أهدأ:

حاسبي على بيتك يا بنتي، وأنتِ ليكي الحق في كل كلمة قلتيها، وأنا اللي ببعتلك اعتذار باسم العائلة كلها.

خرجت من البيت وأنا مرفوعة الرأس، لكنني كنت أعلم جيدًا داخل نفسي أن المعركة لم تنتهِ هنا، بل كانت هذه هي الشرارة الأولى التي ستغير شكل علاقتي بكريم وبأهله إلى الأبد…

“صمت ما بعد العاصفة”
نزلت على السلالم وبجانبي كريم. كان السكوت بيننا أثقل من الحجارة، خطواته بصلابة مكسورة ونظراته مثبتة على الأرض، بينما كنت أتنفس بصعوبة وأنا أحاول استيعاب ما حدث. بمجرد أن أُغلق باب الشارع خلفنا وركبنا السيارة، لم ينطق أحد منا بكلمة واحدة لمدة عشر دقائق كاملة.

كان صوت محرك السيارة هو الشيء الوحيد الذي يقطع هذا الصمت الخانق. كنت أراقبه من طرف عيني؛ فكه مشدود، ويداه تضغطان على عجلة القيادة بقوة حتى أبيضت مفاصِله.

وفجأة، قبل أن نصل إلى بيتنا بعدة شوارع، أوقف كريم السيارة على جانب الطريق بغضب مكتوم، والتفت إليّ وعيناه مليئتان بالشرار والحرقة، وقال بصوت منخفض لكنه مشحون بالاحتقان:

ارتحتي كده؟ مبسوطة إنك خليتي عمي يهين أمي في بيتها ويقل من قيمتها قدام إخواتي؟ مبسوطة إنك طلعتيني صغير ومش راجل قدام العيلة كلها؟

نظرت إليه بذهول، لم أصدق أن كريم، بعد كل ما قيل من عمه وبعد اتضاح الحقيقة كاملة، ما زال يلومني أنا! ردست على قلبي وقلت له بصوت هادئ ومباشر:

كريم.. أنت بجد شايف إن أنا السبب؟ عمك ما أهانش أمك، عمك قال كلمة الحق اللي أنت كان المفروض تقولها من أول دقيقة! أمك هي اللي جابت عمك عشان تفضحني وتكسرني قدام العيلة، لكن ربنا أظهر الحق. هو أنا اللي طلبت من أمك تتصل بيه وتبكي وتتبلى عليا؟

ضرب كريم يده على عجلة القيادة بقوة وقال بصراخ مكتوم:

أمي كبرت في السن! حتى لو غلطت، حتى لو حبت تعمل حركة الكبار وتشوف شطارتك، كان المفروض تكسري الشر وتعديها! كانت إيه هيحصل لك لو غسلتي المواعين وشيلتي السجاد؟ كانت كرامتك هتضيع؟ لكن أنتِ وقفتِ وندّتِ وفتحتِ صدرك، وخليتِ عمي يقسى على أمي ويخلي شكلها وحش قدام البنات! أنتِ دخلتِ بيتي عشان تعمريه ولا عشان تقومي حرب على أهلي؟

كلماته كانت كالصفعة. أدركت في هذه اللحظة أن كريم لم يستوعب الدرس بعد، وأن عقليته ما زالت ترغب في زوجة تطأطئ رأسها للظلم لمجرد حماية “شعور” أهله، حتى لو كان أهله هم الظالمين.

قلت له ونبرتي تحولت من الهدوء إلى الصرامة:

كريم.. أنا اتجوزتك أنت، ما اتجوزتش أهلك عشان أكون خدامة عندهم تحت مسمى “نعديها”. كرامتي مش للبيع، وأنا مش هسمح لأي حد يمسها حتى لو كانت أمك. لو أنت شايف إن دفاعي عن نفسي وإظهار الحقيقة جُرم، يبقى أنت مش جاهز تبني بيت مستقر، وأنت كده بتهد بيتك بيدك عشان ترضي غلط أهلك!

أنزل كريم نظره بعيدًا عني، وأدار المحرك وانطلق بالسيارة بسرعة جنونية نحو المنزل دون أن ينطق بحرف آخر.

وصلنا البيت، دخلت شقتنا التي لم يمضِ على تأثيثها سوى شهرين. كانت الهدوء والجمال يعمان المكان، لكن الرياح التي هبت من بيت حماتي نقلت الحرب إلى داخل جدراننا الصغيرة. دخلت غرفة النوم وأغلقت الباب على نفسي، بينما جلس هو في الصالة مطأطأ الرأس.

في منتصف الليل، وأنا أستلقي في الظلام وأفكاري تلتطم، سمعت صوت رنين هاتف كريم في الصالة. لم يكن المتصل سوى أخته سعاد.

رفعت رأسي واستمعت من خلف الباب المغلق. كان صوت سعاد يخرج من الهاتف عاليًا وممتلئًا بالتحريض والبكاء:

الحق يا كريم! ماما من ساعة ما مشيتوا وهي أغمى عليها وضغطها عليّ جدًا! جايبين لها الدكتور في البيت! بتقول ابن عمري باعني عشان خاطر مراته وساب أخوه يبهدلني! لو جرالها حاجة يا كريم، ذنبها في رقبتك أنت ومراتك!

سمعت خطوات كريم السريعة وهو ينهض من مكانه، وفي ثوانٍ معدودة كان يرتدي حذاءه ويفتح باب الشقة ويخرج مسرعًا وهو يخبط الباب خلفه بقوة هزت الجدران…
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى