منوعات

حكايات امانى 2

في اليوم التالي، في تمام الساعة الخامسة، كنت قاعدة في نفس الكافيه اللي قابلت فيه ريهام قبل سنة. كنت لابسة نظارة شمسية، وقاعدة بكل ثقة وهدوء، أشرب قهوتي وكأني في نزهة مش رايحة أنقذ واحدة كانت في يوم من الأيام سبب وجع قلبي.
قبل المعاد بخمس دقايق، دخلت ريهام. شكلها كان مبهدل، وشها باين عليه التعب والسهر، وعيونها حمرا من كتر العياط. أول ما شافتني، جريت نحتي وقعدت على الكرسي قصادي وهي بتترعش، ودموعها نازلة بغزارة.
ـ نادين.. حبيبتي.. أرجوكِ انقذيني! أنا ضعت.. لو أهلي عرفوا بالبلاوي دي هيموتوني، والشغل الجديد هيروح مني، وحياتي انتهت خلاص!
حركت الكوباية قدامي بهدوء، وبصيت لها من فوق النظارة بنبرة باردة تماماً:
ـ اهدي يا ريهام.. بطلي صياح وقولي لي بالراحة، مين الهانم أو الهنداوي اللي ضحك عليكِ ووصلك للمرحلة دي؟ وإيه تفاصيل الحكاية؟
بلعت ريقها بصعوبة وقالت وهي بتنحب:
ـ بعد ما سيبت الشغل القديم واختفيت، حسيت بوحدة قاتلة.. اتعرفت على شاب في مكان عام، حسسني بالأمان والحب، ووقعني في حبه لحد ما اتجوزته عرفي في الأول، وبعدين كشف لي عن وش الحقيقي.. طلع مسجل خطر ومجرم، ومعاه فيديوهات وصور ليا من الهواتف القديمة، وبيبتزني بيها عشان أدفع له كل فلوسي، وكل ما أقوله مفيش، يهددني إنه  وينزل كل حاجة على السوشيال ميديا ويبعتها لأهلي!

سكتُّ ثواني وأنا بتأمل انهيارها، ووجوه الغدر اللي بتلف وترجع لأصحابها. حسيت بجزء من العدل الإلهي بيتحقق قدام عيني؛ اللي خانت بيتاً وأمانة، ربنا سلط عليها واحد يدمرها بنفس الطريقة.
سألتها ببرود:
ـ وأنا بقى دخلتي إيه في القصة دي؟ شايفة مكتوب على جبيني “منقذ المظلومين” ولا إيه؟
ردت وهي بتمسك إيدي برجاء وذل:
ـ عشان أنتِ ست ذكية وقوية.. وعارفة كل حاجة.. وعارفة حسام.. أنا عرفت إنه شغال دلوقتي في شركة كبيرة وليه علاقات.. أرجوكِ، خلي حسام يتدخل، أو هاتي لي حد يخلصني من البني آدم ده، وأنا أقسم بالله هسافر، هسيب البلد دي كلها ومش هتشوفي وشي تاني أبدًا!
شديت إيدي منها بهدوء، وابتسمت ابتسامة خفيفة، وسندت ظهري على الكرسي:
ـ تعريفك لنفسك إنك ذكية طلع غلط خالص يا ريهام.. وكونك فاكرة إن نادين هتنزل لمستوى إنها تساعد واحدة باعت نفسها عشان تخرب بيت صاحبتها، فدي تبقى قمة الغباء.
فتحت شنطتي وطلعت منها ظرف صغير، وحطيته على الترابيزة قدامها.
فتحت الظرف باستغراب، ولقيت جواه ورقة فيها عنوان ورقم تليفون، ومكتوب تحتهم كلمة واحدة.
ـ إيه ده؟ سالت بصوت مرجوف.
رفعت راسي وبصيت في عيونها مباشرة:
ـ ده عنوان محامي شاطر جداً، وراجل دولة يعرف يجيب حقك بالقانون من غير ما تحتاجي لحد، وتقدرِ تبلغي البوليس وتقبض عليه بدل ما إنتِ قاعدة تعيطي زي الأطفال.

بصت للورقة بصدمة وقالت:
ـ بجد يا نادين؟! هتعملي معايا ده كله رغم كل اللي عملته فيكي؟!
قمت وقفت من على الكرسي، ووضعت نظارتي على عيوني، وميلت عليها شوية عشان أقول لها الكلمات الأخيرة:
ـ أنا مش بعمل كده عشان خاطرك يا ريهام.. أنا بعمل كده عشان أثبت لنفسي وللكل، إن نادين عمرها ما بتتوسخ بأفعال الناس القذرة. أنا أخذت حقي منك ومسحت بيكِ الأرض بالطريقة اللي تعجبني، ووقفت بيتي وحافظت على جوزي وبنتي، والجزاء من جنس العمل، وكل واحد بيحصد اللي زرعه بإيده. بس أوصيكِ.. ابعدي عن طريقي للأبد، واعتبري إن اليوم ده هو أطول يوم في عمرك.
سبتها قاعدة مكانها في الكافيه، ماسكة الورقة وبتعيط بانهيار، وطلعت برا الكافيه لوحدي، في الهوا النقي.
ركبت عربيتي، وبصيت لنفسي في المراية، وابتسمت برضا تام.
قصتي أنا وحسام وريهام خلصت هنا.. قصة ست عرفت تاخد حقها بيدها، ورسمت حدود حياتها بذكاء وقوة، ورجعت ملكة على عرش بيتها، من غير ما تسيب أي حد ياخد منها حاجة تخصها أبدًا.

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى