منوعات

حكايات اسما 3

لكن الصدمة الحقيقية لم تنتهِ عند حدود الماضي وما كشفه، بل بدأت تطل برأسها من المستقبل.
في ليلة باردة من ليالي الشتاء، كنت أعد العشاء في المطبخ بينما كانت مريم مغلوبة على أمرها وسط كتب الجامعة وأوراقها المنتشرة على طاولة الصالة. فجأة، سمعت صوت سقوط شيء ثقيل، تلاه صوت أنفاس مريم المتقطعة والمتألمة. ججريت بسرعة نحو الصالة، فوجدت مريم ملقاة على الأرض، وجهها شاحب كالثلج، وعيونها مغمضة تمامًا، وجسمها كله يتصبب عرقًا باردًا.
صرخت بذعر وقمت بهزها بقوة:
— مريم! مريم حبيبتي مالك؟! ردي عليا!
لم ترد. كانت فاقدة الوعي تمامًا وأنفاسها ضعيفة للغاية. لم أهتم بشيء سوى إنقاذها، وحملت هاتفي وأنا أرتعش بشدة، واتصلت بالإسعاف التي وصلت بعد دقائق تبدو وكأنها دهور.
في المستشفى، وقف الأطباء يهرولون حول سريرها الطوارئ، بينما كنت أقف خلف الزجاج أراقبهم بقلب مخلوع من مكانه. بعد فترة أراحت أنفاسي قليلاً، خرج الطبيب المعالج، ووجهه يحمل ملامح الجدية والقلق.
جريت نحوه بلهفة وقاتلة:
— طمني يا دكتور! بنتي مالها؟ هل هي كويسة؟
تنهد الطبيب بعمق وقال بنبرة هادئة ولكنها حاسمة:
— اهدي يا مدام. الحالة استقرت مبدئيًا، بس لازم أقولك إن اللي حصل ده مش مجرد إغماء عابر بسبب إرهاق الدراسة. احنا عملنا لها فحوصات شاملة وتحاليل دقيقة، ولأسف النتائج وضحت لنا إن مريم بتعاني من مشكلة صحية خفية في عضلة القلب، مشكلة وراثية متقدمة، ومحتاجة لرعاية طبية خاصة وعلاج مكثف وفحوصات دورية دقيقة عشان نقدر نسيطر عليها.
كلمات الطبيب نزلت على رأسي كالصاعقة الثانية. عضلة القلب؟! مشكلة وراثية؟!
تذكرت في تلك اللحظة فورًا الأم الحقيقية وسام وماضيهما. تملكتني رعشة مرعبة وأنا أتساءل بيني وبين نفسي: هل ورثت هذا المرض من عائلتها الحقيقية؟ هل هو الإرث الحقيقي الوحيد الذي تركته لها أمها البيولوجية؟
في تلك اللحظة، فتح باب المستشفى ودخلت الأم الحقيقية وهي تلهث من شدة الخوف، فقد كنت قد اتصلت بها فور حدوث الأزمة. جرت نحوي وعيونها تملؤها الدموع والهلع:
— طمنيني يا هدى! مريم مالها؟ إيه اللي حصل؟!
بصيت لها ونظراتي كلها امتزاج غريب بين الغضب، والشفقة، والوجع. قلت بصوت مكسور ومبحوح:
— بنتك يا فلانة.. بنتك عندها مشكلة خطيرة في القلب.. مشكلة وراثية.. الدكتور لسه قايل لي إنها محتاجة علاج طويل ومتابعة دقيقة لأن المرض ده بيظهر فجأة وممكن يكون خطر جداً!
الأم الحقيقية وضعت إيديها على بوقها، وطلعت صرخة مكتومة من قلبها، ووقعت على الكرسي المجاور وهي منهارة تمامًا، وقالت ببكاء مرير:
— لا حول ولا قوة إلا بالله.. حتى في صحتها محرومة مني ومن الرعاية السليمة من وهي طفلة؟! ده أنا أمها، وجيناتي هي اللي دمرت قلبها من غير ما أدري!
دخلت للدكتور وطلبت منه تفاصيل أكتر، وخرجت وأنا شايلة هم الدنيا كله على كتافي. رجعت لمريم في الغرفة، ولقيتها بدأت تفوق وتفتح عيونها ببطء شديد. أول ما شافتني شافت الأم الحقيقية واقفة جنب السرير وبتعيط، حاولت تبتسم بضعف وقالت بصوت خافت:
— ماما.. إنتوا بتعيطوا ليه؟ أنا كويسة.. والله العظيم أنا كويسة..
قربت منها، وقعدت على حرف السرير، ومسكت إيديها الباردة بين إيديّ، وبصيت في عيونها اللي بتلمع بالطيب والضعف، وقلت بصوت مليان إصرار وحب ما ينتهيش:
— إنتِ هتبقي كويسة يا روح قلبي.. هتبقي كويسة غصب عن أي مرض وعصب عن أي ظروف. أنا مش هسيبك، وإحنا الاتنين — أنا ومامتك — هنقف جنبك ونجيب لك أحسن الأطباء، وهنعدي المحنة دي زي ما عدينا اللي قبلها.
مريم بصت لنا إحنا الاتنين، وجمعت دمعة في عينها وقالت بصوت متبادل:
— يعني.. يعني أنتوا الاتنين هتفضلوا معايا؟ مش هسيبوني لوحدي؟
ردت الأم الحقيقية وهي بتضمها بحنان وقوة:
— مستحيل يا بنتي.. أنا ضحيت بعشرين سنة من عمري وأنا بعيدة عنك، ومش هسيبك دقيقة واحدة وأنتِ في الحالتين دول. وأمك هدى هي اللي ربتك وهي أغلى الناس عندي. إحنا عيلة واحدة دلوقتي، عيلة جمعها الألم وجمعها الحب الصادق.
لكن المفاجأة الكبرى لم تكن في المرض وحده، بل في الورقة الصغيرة التي وجدتها الممرضة داخل حقيبة مريم الشخصية، والتي سقطت على الأرض أثناء نقلها للمستشفى. ورقة قديمة ومصفرة، مكتوب عليها بخط يد وسام، وموجهة خصيصًا لمريم قبل وفاته بشهور قليلة، وكأن وسام كان يحمل سرًا أخيرًا لا يجرؤ على البوح به، سرًا يغير كل قواعد اللعبة من جديد ويضعنا أمام اختبار أعظم بكثير مما نتخيل!

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى