
حماتي مكنتش من النوع اللي يسلم بالهزيمة أو ينسحب في صمت. اتفقت مع خال يونس، راجل راجل كبير في السن وليه كلمة هيبة على العيلة كلها، بس معمي بعاطفته ناحية أخته وبيصدقها في كل حاجة. راحت له وهي بتصرخ وتعيط وتلطم، وحكت له قصة مفبركة تمامًا؛ قالت له إن حور وبنتها اتفقوا عليها وعملوا فيديو مفبرك بالذكاء الاصطناعي عشان يقطعوا عيشها مع ابنها، وإن يونس ضرب أمه ورمى حاجتها في الشارع عشان خاطر مراته!
الخال اتوغر قلبه من الكلام، واعتبر إن يونس أهان شرف العيلة وضرب بالوصول وعياط أمه عرض الحائط.
في يوم، كنا قاعدين بنتعشى، وفجأة الباب اتخبط برزع مرعب هز أركان الشقة. يونس قام بسرعة وفتح الباب، لقى خاله واقف وراسه مرفوعة وغضبان، ووراه أخت يونس وأخوه اللي كانوا جايين معاه بس وشوشهم متوترة وخايفين من اللي هيحصل.
الخال دخل الشقة من غير ما يسلم ولا يستأذن، ودفع يونس في صدره بزعقة هزت العمارة: “بقى أنت يا يونس يا ابن الأصول تضرب أمك وترمي هدومها في الشارع عشان خاطر بت الفلاحين دي؟ بقى تهين اللي شالتك وربتك عشان شوية لعب وعيال وتفبركوا فيديوهات عشان تطلعوا أختي خرفانة وحرامية؟”
يونس اتصدم من الهجوم، بس وقف بثبات وقام وقال لخاله بصوت محترم بس صلب: “يا خالدي دي أمي وأنا جازم رجلها على راسي، بس كلامك ده كدب ومش صح. محدش ضربها ومحدش فبرك حاجة!”
الخال صرخ أكتر: “كداب! أختي جاية لي دموعها مغرقة خدها، وبتقول إنك مسكت إيدك ورفعتها عليها! أنت نسيت دينك وأصلك؟ أنا جاي النهاردة أعدل المايل.. الشقة دي طالما أمك مش هتدخلها معززة مكرمة وتاخد حقها من مراته، يبقى مراتك دي تلم حاجتها وتروح بيت أبوها فوراً، والبت تاخدها أمك تربيها!”
أنا لما سمعت كلمة “تاخد البت” و”تروح بيت أبوها”، جسمي كله اتنفض، ومكة استخبت ورايا وهي بترتعش.
يونس عينيه تحولت للون الدم، والهدوء اللي كان فيه اختفى تماماً. قرب من خاله وبص في عينيه بقوة وقاله: “لحد هنا وستوب يا خال! بيتي ومراتي وبنتي مش لعبة في إيد حد، ولا أنت ولا غيرك يقدر يخرج مراتي من بيتي أو ياخد بنتي مني! وأمي اللي جاي تدافع عنها بالباطل، تتفضل تشوف الحقيقة بنفسها!”
يونس جاب الموبايل وفتحه على الموقف كله، ورما التليفون في إيد خاله وقال له بصوت يزلزل: “اتفرج يا خال! اتفرج على أختك الحاجة وهي بتتسحب في الضلمة حاطة الفلوس في دولاب مراتي عشان تلبسها قضية سرقة وتخرب بيتي! اتفرج على الفيديو من تليفون البت الصغيرة اللي سجلت اللحظة بذاتها!”
الخال مسك التليفون، وكان متوقع يشوف فيديو تمثيل أو تقطيع، بس الفيديو كان واضح وصريح، زاوية الكاميرا، حركة إيد حماتي وهي بتحشر الفلوس بغل، الصوت وهي بتتحسب وتدعي بالباطل.. كل ثانية في الفيديو كانت سكين بتقطع في كبرياء الخال.
الخال فضل يبص للشاشة، عينيه اتسعت، وشه بقى يجيب ألوان، وإيده بقت ترتعش وهو شايف أخته -اللي جاي يهد الدنيا عشانها- بتعمل الحركة الواطية دي وبترتب مؤامرة صريحة عشان تخرب بيت ابنها.
أخوه وأخته كانوا واقفين ورا الخال مطأطئين رؤوسهم، وأخوه قال بصوت واطي: “احنا قولنالك يا خال من الأول.. الفيديو صح وأمي هي اللي تبليت عليهم.”
الخال حط التليفون على التربيزة، ونظرته ليونس اتغيرت من الغضب الشديد للخجل والكسرة. التفت ليونس وقاله بنبرة مكسورة: “أنا.. أنا أسف يا بني. أختي عمتني بعياطها.. أنا مكنتش أفتكر إنها توصل لكده.”
يونس بص لخاله وقال بصوت مليان وجع وألم: “شفت يا خال؟ شفت الأم اللي جاي تهد بيتي عشانها كانت هتعمل إيه في ابنها؟ كانت هتخليني أضرب مراتي المظلومة، وأخرب بيتي، وأشيل ذنب بنت ناس صايعة شرفي وعرضي! أنا أمي على راسي هخدمها بره بيتي وأبعتلها أكلها ومصاريفها، بس الشقة دي حور وبنتي سيداتها، ومحدش ليه كلمة عليهم بعد النهاردة!”
الخال طأطأ راسه، وبص لي وقالي بأسف: “سامحينا يا أختي.. الحق معاكي ومع جوزك.” وأخد بعضه وخرج ووراه إخوات يونس، والكسرة باينة عليهم جميعاً.
أول ما الباب اتقفل، يونس التفت لي، وكانت عينيه مليانة دموع، قرب مني ونزل على ركبه قدامي قدام مكة، ومسك إيدي وقالي بصوت مكسور: “أنا قفلت كل الأبواب اللي ممكن يجي منها الريح يا حور.. حطيت حد لكل العيلة عشان كرامتك وكرامة بنتنا. فاضل بس إنك تحني عليا وتسامحيني من قلبك.. أنتي وبنتي كل حياتي.”
أنا بصلت له، ودموعي نزلت، بس المرة دي كانت دموع راحة.. حسيت إن كرامتي اتردت كاملة، وإن جوزي المرة دي وقف راجل بجد وحمى بيته من أطماع الغل. قربت منه ومسكت إيده وقومته، وقبل ما أنطق بالكلمة اللي هترجع حياتنا.. التليفون رن برقم غريب، ويونس فتح السبيكر، وكان الصوت اللي طالع من التليفون بيصرخ بذعر: “لحق يا يونس! أمك وقعت ونقلوها المستشفى وفي حالة خطر وبتقول عايزاك قبل ما تموت!”
ساد الصمت الشقة لثوانٍ معدودة بعد الكلمة دي، صوت الصراخ في التليفون كان يرن في الأذان كأنه جرس إنذار. يونس التليفون وقع من إيده على الأرض، وشه اتقلب أصفر زي الورق، وبص لي بعيون مليانة تخبط وضياع؛ بين وجعه منها ومن اللي عملته فيه وفي بيته، وبين واجبه كابن مش قادر يتخيل إن أمه ممكن تروح منه وهي غضبانة عليه.
مسكت إيد يونس بسرعة وقوتها بين إيديا، وقولت له بنبرة ثابته ومفيهاش أي تردد: “يلا يا يونس.. تجري فوراً على المستشفى، أمك مهما عملت تفضل أمك، وأنا وبنتك جايين معاك.”
يونس بص لي بنظرة ذهول وامتنان عمره ما هيساه، دموعه نزلت وهو بيسحب مفاتيحه ومسك إيدي وإيد مكة، وخرجنا بنجري زي المجانين.
وصلنا المستشفى، وكانت العيلة كلها ملمومة في الطوارئ؛ خاله، وأخوه، وأخته، الكل واقف وشه أصفر ومتوتر. أول ما شافوا يونس قادم ومسك إيد مراته وبنته، محدش قدر ينطق كلمة ولا يوجه لي نص كلمة عتاب.
الدكتور خرج من أوضة العناية المركزة، وشه كان مشدود وقال: “أزمة قلبية حادة نتيجة انفعال وضغط عصبي شديد.. الحمد لله لحقناها في آخر لحظة والمؤشرات بدأت تتضبط، بس هي طالبة تشوف ابنها يونس وحور وبتها بالاسم.. ادخلوا لها بس بلاش أي انفعال.”
دخلنا الأوضة بشويش. حماتي كانت نايمة على السرير، الأجهزة متوصلة بجسمها، وشها دبلان، وعينيها دبلانة ومطفي منها كل طغيان وقوة الغل اللي كان فيها. أول ما شافت يونس داخل، عينيها اغرورقت بالدموع، ومدت إيدها المترعشة ناحيته.
يونس جرى عليها وجثى على ركبه جنب السرير، مسك إيدها وباسها وهو بيعيط: “ألف سلامة عليكِ يا أمي.. فداكِ عمري كله.”
حماتي بكت بصوت واطي، صوت طالع من قاع الخجل والندم، وبصت لي أنا ومكة اللي كنا واقفين جنب السرير. بصت لي بنظرة مختلفة تماماً، نظرة ست أدركت وهي على شفا الموت مين اللي بيصون ومين اللي بيسامح، ومين اللي وقفت جنب ابنها وجات معاه رغم كل الظلم اللي اتظلمته.
حماتي اتكلمت بصوت مبحوح ومكسور: “سامحيني يا حور.. سامحيني يا بنتي. الغل والغيرة كانوا تعميني، كنت خايفة ياخدك مني وياخد ابنها مني، فقلت أبعدك بأي طريقة.. حطيت الدهب والفلوس وكدبت وتبليت عليكِ وعلي بنتك.. والرب يعلم إنك طلعتِ أصيلة وأفضل مني، وجيتِ تقفي جنبي وأنا كنت عايزة أطردك وأخرب بيتك.”
أنا نزلت دموعي، وقربت منها مسكت إيدها الثانية بالراحة وقولت لها: “مسامحاكي يا حاجة.. ربنا يشفيكِ ويعافيكِ وترجعي لبيتك بالسلامة، أهم حاجة صحتك، وما يعلم بالقلوب إلا ربنا.”
حماتي مسكت إيد مكة وبستها وهي بتعيط وتقول: “سامحي تيتة يا مكة.. أنتِ البت الشاطرة الجدعة اللي حمت أمها وأبوها من الفتنة.”
بعد أيام، خرجت حماتي من المستشفى ورجعت بيتها وهي ست ثانية خالص. كبرياء الغل اتكسر، وعرفت قيمة بنت الأصول. وبقت بتعاملني بكل احترام وحب، ومتقدرش تزعلني بأي كلمة.
أما يونس، فالعاصفة دي رغم قسوتها، أصلحت بيتنا على أساس متين. أدرك يونس إن حماية بيته ومراته مش تقليل من أمه، وإن الأصول هي إن الحق يقال ولو على أقرب الناس. رجع الحب بينّا أقوى من الأول بكتير، وبقت مكة هي زهرة البيت اللي بتفكرنا دايماً إن الحق مهما استخبى.. ربنا بيبعت اللي يظهره ويحمي المظلوم.



