روايات وقصص

حكايات انجى الخطيب 1

نفس الأماكن.

نفس الأشكال.

فضل ساكت ثواني، وبعدين بص لأمي وقال:

«الاتنين وقعوا من نفس السلم؟»

سامح دخل في الكلام بسرعة وقال:

«يا دكتور دول مراهقين… ممكن يقولوا أي كلام. عالجهم وخلاص».

الدكتور شريف بص له للحظات من غير ما يتكلم.

وبعدين خرج من الغرفة.

لكن قبل ما يخرج، قفل الباب من بره.

سامح استغرب.

راح ناحية الباب وحاول يفتحه.

في اللحظة دي، الدكتور شريف كان واقف في الممر جنب فرد الأمن.

وقال له بصوت واطي لكن حازم:

«ماتخليش حد يخرج من هنا… واتصل بالشرطة فورًا».

سامح سمع الكلام.

ابتسم ابتسامة باردة وقال:

«إنت مش فاهم إنت بتتهم مين يا دكتور».

الدكتور بص له وقال:

«أنا مش بتهم حد… أنا بعمل شغلي».

سامح ضحك باستخفاف.

لكن فجأة، صوت ضعيف جدًا جه من السرير.

«هو هيعرف قريب».

كلهم لفوا ناحية ملك.

عينيها كانت بدأت تفتح ببطء.

سامح وقف مكانه.

وأنا، رغم الألم، حسيت دموعي نزلت من غير ما أقدر أمنعها.

لأننا أخيرًا كنا وصلنا للحظة اللي استنيناها شهور.

كل التسجيلات كانت موجودة.

كل حاجة سامح قالها وعملها كانت متسجلة.

والحقيقة اللي كان فاكر إنه دفنها جوه بيتنا… كانت على وشك إنها تظهر قدام الناس كلها.

لكن اللي محدش فينا كان متوقعه، إن أول ما الشرطة وصلت، الدكتور شريف طلب من الأمن يفتش شنطة سامح.

واللي لقوه جواها كان كفيل يقلب القضية كلها رأسًا على عقب…

إنتوا مش هتصدقوا اللي حصل بعد كده…

فتح الضابط شنطة سامح الجلدية الصغيرة التي كان يحملها بيده طوال الوقت، وعلى عكس ما توقع الجميع، لم تكن الشنطة تحتوي على أدوات حادة أو ممتلكات شخصية عادية، بل خرج منها ملف أوراق رسمي يحمل ختم مكتب استشارات قانونية، وبجانبه دفتر شيكات موقع على بياض باسم والدنا الراحل “حسن”، بالإضافة إلى تقرير طبي مزور صادر من مستشفى خاص بتاريخ القديم، يدّعي أنني أنا وملك نعاني من مرض نفسي نادراً ما يصيب التوائم، يسبب “تهيؤات واضطرابات سلوكية اندفاعية تقود إلى الإيذاء الذاتي”.
كان سامح قد أعدّ كل شيء بعناية فائقة؛ خطته لم تكن مجرد ممارسة السيطرة والعنف داخل جدران البيت، بل كانت تمهيداً قانونياً متكاملاً. كان يعلم أننا سنبلغ سن الثامنة عشرة بعد أسابيع قليلة، وكان الهدف من هذا التقرير المزور هو استصدار حكم قضائي بـ “الحجر” علينا واستمرار وصاية أمي السورية شكلياً، لتكون هي الواجهة التي يحرّكها كيفما يشاء ليضمن انتقال جميع أموال بابا وأسهمه في الشركة إلى حسابه الخاص.
نظرت أمي إلى الأوراق بشحوب قاتل، ولم تنطق بكلمة واحدة، بينما ظل سامح يحافظ على بروده وقال بثقة للضابط:
«حضرتك تقدر تتأكد بنفسك، الأوراق دي أصلية وموثقة، البنات دول بيأذوا نفسهم وبيعصبوا، وأنا ومدام “فايزة” بنحاول نحميهم من نفسهم بقالنا سنين، وما رضيناش ندخلهم مصحة حرصاً على مستقبلهم».
في تلك اللحظة، رفعت رأسي بصعوبة ورغم الدوار الذي كان يعصف ببي، شيرت بيدي للدكتور شريف وطلبت منه أن يقترب. عندما انحنى فوقي، همست في أذنه برقم السر للبريد الإلكتروني الحافظ للتسجيلات، ورابط الحساب السحابي المربوط بموبايل بابا القديم.
لم يتردد الدكتور شريف، وأخرج هاتفه المحمول فوراً ودخل على الرابط. وما هي إلا ثوانٍ حتى بدأ صوت سامح يتردد في أنحاء غرفة الكشف، صوته وهو يصرخ، وصوت تحطم الأثاث، وصوت التلفزيون المرتفع في الخلفية، والأهم من ذلك كله… صوته وهو يقول بوضوح في أحد التسجيلات قبل أسبوعين:
«لو الأوراق دي متختمتش قبل ما يكملوا 18 سنة، مش هتشوفي جنيه واحد يا فايزة، البنات دول لازم يتكتب في ملفهم إنهم مجانين بأي طريقة!».
تغيرت ملامح ضابط الشرطة تماماً، ونظر إلى سامح الذي تلاشت ابتسامته الباردة لأول مرة ليحل محلها ارتباك ملحوظ. حاول سامح التراجع خطوة نحو الباب، لكن فرد الأمن أقفل الطريق أمامه.
الضابط وجّه كلامه لسامح بصرامة: «الظاهر إن القصة مختلفة تماماً عن اللي حكيتها يا أستاذ… اتفضل معانا على القسم، والمدام كمان هتطلع معانا للتحقيق».
هنا صرخت أمي وبدأت تبكي وهي تقول: «أنا ماليش دعوة! هو اللي كان بيمشيني مزاجه، هو اللي هددني إنه هيطردني في الشارع لو ما سمعتش كلامه!».
لكن الضابط لم يلتفت لبكائها وأمر بوضع الكلبشات في يد سامح، وأخذ الأوراق والتسجيلات كأدلة رسمية.
قبل أن يخرجوا به من الغرفة، التفتت ملك -التي بدأت تستعيد وعيها بالكامل- ونظرت إلى أمي وسامح وقالت بصوت متقطع لكنه مليء بالقوة: «السجن اللي عيشتونا فيه ست سنين… انتهى النهارده، بس انتوا اللي هتدخلوه من بكرة».
تم نقلنا أنا وملك إلى غرفة العناية المركزة لتلقي العلاج اللازم وتوثيق التقرير الطبي الشرعي للكدمات والكسور، وكان الدكتور شريف يشرف على حالتنا بنفسه، وقام بالتواصل فوراً مع خالنا “طارق” في الخارج وأطلعه على كل ما حدث.
بعد يومين فقط، حظر خالنا طارق إلى المستشفى بعد أن حجز أول طائرة عودة. كان منظره وهو يدخل علينا يرجف من الصدمة والبكاء كفيلاً بأن ينسينا جزءاً كبيراً من الوجع. احتضننا وهو يعتذر بدموع حارة عن كل الوقت الذي اعتقد فيه أننا بخير بناءً على أكاذيب أمي وسامح.
لكن المفاجأة الكبرى التي لم تكن في الحسبان، ظهرت في اليوم الثالث، عندما جاء محامي بابا القديم إلى المستشفى برفقة خالنا. جلس المحامي إلى جوار سريراً، وأخرج ملفاً أسود مغلقاً بالجمع الأحمر وقال لنا بلهجة جادة:
«والدكم الله يرحمه “حسن” ما كانش بس محاسب شاطر… كان عارف سامح كويس قبل ما يتجوز مامتكم، وكان عارف نواياه من زمان. باباكم ساب وصية مسجلة وموثقة عند مدعي عام، والوصية دي فيها بند مفاجئ هيغير مجرى القضية والتحقيقات بالكامل… بند سامح وأمكم ما كانوش يعملوا حسابه أبداً».

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى