روايات وقصص

خطافة حكايات رومانى مكرم 2

بكسرتهم!”

بصيت له وقلت بابتسامة سخرية: “أمك وأبوك اللي كانوا جايين من ساعة واحدة بس يطردوني في الشارع؟ أمك اللي كانت بتقولي بكل بجاحة أسيبلك البيت بالهنا والشفا للثانية؟ ولا أختك اللي جاية تقول اعقليها وهي هتخلف له وأنتِ بقالك فترة ومفيش عيال؟ أنتم كلكم تفكيركم كان واطي، وما افتكرتوش ربنا ولا الأصول إلا لما عرفتم إن رقبتكم تحت جزمتي.”
الحاجة صفية قربت مني خطوة وجسمها كله بيترعش، وقالت بنبرة كسرة وأول مرة أسمعها منها: “حقك عليا يا مريم… أنا كنت عمياء يا بنتي، كنت فاكرة إن ابنك ضهري وسندي وإن الشقة دي شقته… أنا غلطت في حقك ونطقت كلام ما يتقالش، وربنا شاهد إني ندمانة. طلبي اللي أنتِ عايزاه… عايزه نهى دي تمشي وما تعتبش هنا ثاني؟ هنمشيها! عايزه طارق

يطلقها فوراً ويقطع ورقها؟ هيعمل كدة دلوقت قدامك! بس ما ترميش ابننا في السجن وما تفضحوناش بين الناس!”
بصيت لنهى وقلت لها: “سمعتِ يا هانم؟ سمعتِ العيلة الكريمة اللي كنتِ جاية تحتمي فيها وتستقوي بيها عليا؟ أول ما كروت اللعبة اتكشفت، باعوكي في ثانية وكانوا هيترجوكي تغوري في ستين داهية عشان ينفدوا بجلدهم!”
نهى وشهابقى أصفر وزي الجثة، وبقت تبص لطارق بقرّف وتقول: “أنت مش راجل… أنت مجرد أداة في إيد أمك وفي إيد مرتك! أنا غلطانة إني صدقت واحد زيك!”
وقفت من على الكرسي وأخدت الملف في إيدي، وبصيت لهم واحد واحد. النظرة دي كانت كفيلة تخلي الشقة كلها تلتزم صمت تام.
قلت بصوت قاطع وما فيهوش نبرة تردد واحدة: “سماعكم ليا كويس عشان الكلام ده مش هيتقال مرتين… من اللحظة دي، طارق ملوش أي صفة في البيت ده، والباب ده يتفتح حالا وتخرجوا كلكم منه، واحد ورا الثاني… مش عايزة أشوف وش بني آدم فيكم في الشقة دي ثانية واحدة كمان.”

طارق صرخ وقال: “ومعايشي يا مريم؟! والمعرض والمحل والشيكات اللي عليا?!”
رديت عليه بجمود: “الشيكات والتوكيل بكره الصبح هيكونوا في النيابة العامة بتهمة خيانة الأمانة وتبديد أموال الشركة، إلا إذا…”
طارق تعلق بالقشة وقال بلهفة: “إلا إذا إيه؟! قولي وأنا أعمل كل اللي تطلبيه!”
بصيت له وبصيت لحماتي ولنهى، وقلت بشر أملسه الهدوء: “إلا إذا اتجمعتوا كلكم بكره الساعة عشرة الصبح في مكتب المأذون… طارق يطلقني طلاق بائن لإضراره بيا، ويوثق تنازله عن أي حقوق أو مستحقات مالية كانت بيننا، وينهي عقده معايا في المعرض ويسلمني المفاتيح والدفاتر بالكامل… والست نهى تاخد جوزها الحبيب وتروح بيه على شقة إيجار من فلوسها هي، عشان هو من بكره الصبح مش هيكون حيلته غير الهدوم اللي لابسها على جسمه!”
عم طه أبوه اتكلم بصوت مخنوق: “يا مريم يا بنتي… حرام عليكي دمار بيته بالشكل ده! ارحمي عزيز قوم ذل!”
بصيت لعم طه بعيون حادة وقلت له: “عزيز قوم؟! مين اللي كان عزيز؟ ابنك اللي خان الأمانة وجاب ضرتي لحد بيتي عشان يطردني؟ ولا أنتم اللي جيتوا بهيبتكم المزعومة عشان تدوسوا عليا وأنا لوحدي مالياش ضهر؟ أمي الله يرحمها لما كتبتلي البيت ده وقالتلي ده ضهرك عشان الزمان لو جار عليكي ما تحتاجيش لرحمة حد… كانت عارفة إن في ناس زيكم ما فيش في قلوبهم رحمة! وأنا مش هرحم حد فيكم!”

زقيت رجله برجلي وقلت له بصوت يزلزل: “شقاك من فلوسي يا سي طارق! أنت ما دفعتش جنيهاً واحد من جيبك! كنت بتلعب بفلوسي وببيتي وبحياتي فاكرني هفية ومش فاهمة حاجة! الباب قدامكم مفتوح… قدامكم عشر دقايق بالظبط تلموا أختكم وابنكم وتغوروا بره بيتي، وإلا والله العظيم هطلب النجدة دلوقت وأعملكم بلاغ تهجم واقتحام مسكن، وأطلع الشيكات للمأمور وهو واقف هنا!”
طارق بص لأمه وأبوه بعيون مكسورة ومليانة خيبة وشعور بالهزيمة المطلقة. نهى أخدت شنطتها وجريت على الباب وهي بتشتم فيهم وفي طارق، وأخته منار أخدت أمها اللي ما بقتش قادرة تمشي على رجليها وكانت بتتسند بالعافية.
أما طارق، فقفل عينيه ونزل رأسه في الأرض زي اللي بياخد ، وقام وقف بالعافية، وبصلي بصة أخيرة مليانة وذل وما قدرش ينطق كلمة واحدة.

طلعوا كلهم واحد ورا الثاني، وباب الشقة اترزع وراهم… قفلت الباب بالمفتاح، وسندت ضهري عليه، وأخدت نفس طويل وعميق لأول مرة من سنين… بس القصة ما انتهتش هنا، لأن بكره في مكتب المأذون كان مستنيهم مفاجأة ثانية هي اللي هتكمل على اللي فاضل منهم.
قضيت الليلة دي في بيتي وأنا صاحية، مش من حزني ولا كسرتي، لكن من كمية الهدوء والنصر اللي حسيته في قلبي. لأول مرة من سنين أتنفس هواء نظيف، هواء خالي من النفاق وتلميحات حماتي وقرف طارق وخيانته. البيت اللي كانوا جايين يطردوني منه، بقى هو حصني اللي أمني وسترني، وافتكرت أمي الله يرحمها ودعيت لها بالرحمة والمغفرة لأنها كانت أبعد نظر مني وعرفت تؤمنني من غدر الزمان والناس.
ثاني يوم الصبح، الساعة جت تسعة ونص. لبست أحسن طقم عندي، وحطيت مكياج هادي يبرز ثباتي، ومسكت شنطتي والملف الأزرق اللي فيه أوراق ملكيتي والمعرض والشيكات، ونزلت بثقة خطاي تسبقني على مكتب المأذون.
وصلت المكتب قبل الساعة عشرة بالظبط. قعدت على الكرسي وأنا حاطة رجل على رجل وبصيت في ساعتي. ودقيقة ورا دقيقة، بدأت العيلة التائهة تظهر.
دخل طارق الأول، وكان منظره يقطع القلب من الهوان… وشه شاحب، عينيه منتفخة من كتر السهر والعياط، ولابس نفس البدلة اللي خرج بيها من عندي البارح وكأن الزمان وقف بيه عند لحظة انكساره. ووراه دخلت الحاجة صفية وأبوه عم طه، ومعاهم نهى الحامل اللي كانت باصة للأرض ووشها جايب ألوان، باين عليها إنها أكلت علقة كلامية وتهزيئ طول الليل من العيلة اللي اكتشفت إنها لبست في جدار عريان.
أول ما طارق شافني قاعدة بثبات وكأني ملكة على عرشها، ركبه خبطت في بعضها. قرب مني بصوت واطي ومبحوح وقال: “صباح الخير يا مريم…”

ما رديتش عليه، ولا حتى رفعت عيني فيه. وجهت كلامي للمأذون اللي كان قاعد ورا مكتبه مستغرب من جو ؟”
طارق بص لأمه اللي هزت رأسها بقلة حيلة والدموع في عينيها، وبص لأبوه اللي كان واجم ومش قادر يتكلم. طارق بلع ريقه بصعوبة وقال بصوت مهزوز: “أيوه يا مولانا… موافق.”
المأذون بدأ يكتب في الدفاتر، وفي اللحظة دي طلعت من شنطتي ورقة إقرار التنازل عن المعرض والشركة وفك الشراكة، وحطيتها قدام طارق، وقدمت له القلم وقلت ببرود يرعب: “امضي هنا الأول يا سي طارق… تسليم المعرض بالكامل لي، وإلغاء التوكيل، وتعهُد منك بتسليم الدفاتر والمفاتيح في خلال ساعتين من دلوقت.”

إيد طارق كانت بتترعش وهو ماسك القلم، وبصلي بعيون مليانة التماس وقال بصوت خافت: “يا مريم… المعرض ده حياتي، سيبيلس حتى نسبة أعيش منها… أنا هشتغل عندك مدير بالمرتب، بس بلاش ترحميني للدرجة دي وترميني في الشارع… الست نهى دي حامل ومحتاجة مصاريف وأنا ما معيش جنيهاً واحد!”
هنا نهى اتكلمت بصوت عالي وبجاحة أخيرًا: “أيوه يا هانم! أنتِ أخدتي الشقة وأخدتي المعرض، سيبيله حقه عشان يعيشني أنا وابنه! هو أنا ذنبي إيه أترمي مع واحد مفلس على حافة السجن?!”
ابتسمت ابتسامة ساحرة، وبصيت لنهى وقلت لها: “ذنبيك إنك طمعتي في حظ غيرك وفكرتي إنك شاطرة وبتعرفي تخطفي الراجل وبيته! أهو الراجل قدامك أهو، خذيه على عيبه وشيلي شيلتك يا حلوة!”

وبصيت لطارق وقلت بجمود: “القلم في إيدك يا طارق… يا تمضي هنا وتطلع ورقة طلاقي، يا إما الملف ده يروح فوراً على نيابة الأموال العامة =ساعتها المأذون ختم الأوراق، وأخدت وثيقة طلاقي وإقرارات التنازل وحطيتها في ملفي بكل هدوء. وقفت من مكان مسكت شنطتي، وبصيت للستة بني آدمين اللي كانوا واقفين قدامي مكسورين ومشتتين.
لكن قبل ما أتحرك خطوة واحدة ناحية الباب، بصيت لطارق وابتسمت ابتسامة غريبة، وطلعت من شنطتي ظرف أبيض صغير، ورميته على مكتب المأذون قدام عينيهم كلهم.
طارق بص للظرف باستغراب وقال: “إيه الظرف ده كمان؟! أنتِ مش أخدتي كل حاجة خلاص?!”
قلت له وأنا باصة في عينيه بكل تشفي وثقة: “دي المفاجأة الأخيره يا طارق… السر اللي يخلي العيلة دي كلها تتمنى لو الأرض تنشق وبلعها قبل ما يفكروا ييجوا  في بيتي!”
طارق فتح الظرف بفرائص بتترعش وإيدين مش قادرة تشيل ورقة، وسحب الأوراق اللي جواه، والحاجة صفية وأبوه ونهى اتلموا حواليه وعينيهم هتطلع من مكانها عشان يفهموا إيه السر اللي فاضل.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى