
أول ما طارق قرا أول سطرين في التقرير الطبي الصادر من أكبر مركز تحاليل وبصمات جينية، وشه تحول للون الأسود، وعينيه برقت بصدمة مرعبة جعلت جسده ييبس في مكانه كأنه اتضرب بصاعقة.
الحاجة صفية صرخت فيه وهي بتهزه من دراعه: “إيه ده يا طارق؟! التقرير ده فيه إيه ينطق يا بني صدمتني!”
طارق رفع عينه وبص لنهى بنظرة مليانة شر وغل يرعب، وفجأة هجم عليها من رقبتها ومسكها وهو بيصرخ بصوت زلزل مكتب المأذون والشارع كله: “يا فاجرة! يا خائنة! العيل ده مش ابني! أنتِ جاية تلبسيني عيل مش من صلبي وتدبسي عيلتي في فضيحة وتقوليلنا ابنك عشان تاخدي شقة ومعرض?!”
نهى اتخضت وصرخت بصوت هستيري وبقت تحاول تفك إيده من رقبتها وهي بتبكي وتصوت، وأبوه عم طه جرى يحجز بينهم بذهول ورعب، والحاجة صفية لطمت على وشها وهي مش مستوعبة اللي بيحصل: “مش ابنك إزاي؟! أنت بتقول إيه يا طارق?!”
رميت نظرة سرد سريعة عليهم وقلت بصوت هادي وعالي فوق صراخهم: “التقرير ده فيه تحليل الحامض النووي (DNA) وفحص عقم شامل الأستاذ طارق عامله من سنة من ورايا لما كنا بنفكر في الخلفات والتأخير! طارق عنده عقم كامل ونسبة الخلفية عنده صفر بتقرير طبي معتمد ومختوم! يعني مش بس نهى كانت بتضحك عليك ومشهداك على عيل حرام عشان تبتزك وتاخد الشقة والمعرض… ده أنت كمان كنت عارف إن العيب منك ورغم كده سمحت لأختك وأمك يرموني بالتأخير ويقولولي بقالك فترة ومفيش عيال من ناحيتك، وسكت وسيبتهم يكسروا نفسي بالباطل وأنت عارف إنك أنت اللي ما بتخلفش!”
الصمت نزل على المكان زي المقبرة…
الحاجة صفية بصت لابنها بصدمة وعينيها مبرقة، لطمت على صدرها وقعدت على الأرض من الصدمة: “أنت ما بتخلفش يا طارق؟! وسايبنا ناكل في البت ونظلمها ونقول العيب منها وهي صابرة وست أصيلة?! وجايبلي واحدة من الشارع تضحك عليك وتلبسك عيل حرام?!”
عم طه أبوه ضرب نفسه بالقلم على وشه من الخزي والعار، وبص لطارق وهو بيبصق على الأرض قدامه: “يا خسارة الرجولة! يا خسارة تربيتي فيك! طلعت ناقص وخاين ولبستنا في حيطة وخليتنا نقطع في ست شريفة صاينا وسترانا في بيتها!”
نهى بقت بتترعش ودخلت في حالة رعب، ولما لقيت طارق رايح يقتلها بإيديه، سحبت شنطتها وجريت بره مكتب المأذون وهي بتصرخ في الشارع، وطارق جرى وراها زي المجنون وهو بيصرخ: “والله ما هسيبك! هقتلك يا خائنة!”، والعيلة كلها جرت وراهم في الشارع بصويت وفضيحة ولموا عليهم أمة لا إله إلا الله، وبقت فضيحتهم على كل لسان في المنطقة كلها.
وقفت في نص المكتب، قفلت شنطتي بكل ثبات، وبصيت للمأذون اللي كان قاعد مشدوه ومبهور من اللي شاف وسمع، وابتسمت له ابتسامة رضا وراحة.
خرجت من مكتب المأذون والمساء بيبدأ ينزل، والهواء النظيف بيلف وشي. مشيت في الشارع برأس مرفوعة وخطوات ثابته.. أمي الله يرحمها كانت صح؛ الأمان مش في راجل يبيعك في أول محطة، ولا في عيلة تاكلك لما تضعفي… الأمان في كرامتك، وفي العقل اللي يؤمنك، وفي الضهر اللي تبنيه بإيدك عشان لما الزمان يجور عليكي، تقفي وتدوسي على اللي خانك وتحسبي حقك بالقلم والمسطرة.
رجعت بيتي، قفلت بابي عليا، وبدأت صفحة جديدة من حياتي… صفحة مفيش فيها مكان للضعفاء ولا للخونة.



