
سألتها بهدوء يفرس
أسيب البيت
قالت
أيوه هي هتتجوز ابني وما ينفعش ضرتين في بيت واحد
ابتسمت
الستة بصوا لبعض واستغربوا ضحكتي
الحاجة صفية قالت
بتضحكي على إيه يا فندمانة
قمت من مكاني وطلعت على الدولاب الصغير اللي في الصالة
سحبت منه ملف كنت شايلاه للزمن
ورجعت قعدت قدامهم بكل ثبات
رميت الملف على الترابيزة
وقلت
قبل ما أقولكم أنا هعمل إيه في معلومة صغيرة لازم تخش نفوخكم
الكل سكت ومستني
فتحت الملف ببرود وبصيت لطارق في عينه وقلت
البيت اللي أنتم قاعدين تتامسوا فيه وتوزعوه ده طارق
#الكاتب_رومانى_مكرم_
مالوش فيه ولا طوبة واحدة
وشه اتخطف وجاب ألوان
الحاجة صفية برقت وقالت
يعني إيه الكلام ده
ابتسمت وقلت
يعني قبل ما تطردوني من بيتي كان الأفضل تسألوا البيت ده ملك مين الأول
بس دي ما كانتش كل الحكاية
عشان الورقة اللي تحتها كانت فيها السر اللي يودي في داهية
سر لو ظهر في اللحظة دي مش بس جوازة طارق اللي هتتفركش ده العيلة كلها كانت هتتمنى لو الأرض تنشق وتبلعهم قبل ما يفكروا يعتبوا البيت ده
و
طارق وقفت في زوره الكلمة، وعينيه اتسعت بصدمة وهستيرية، وحماتي الحاجة صفية قامت واقفة على حيلها وصوتها طالع مخنوق ومرعوب: “أنتِ بتقولي إيه يا بت أنتِ؟ أنتِ اتجننتي ولا إيه؟ ده بيت ابني اللي شقي فيه وعمل فيه كل طوبة!”
بصيت لها بكل ثبات، وشاورت بصباعي على الملف المفتوح على الترابيزة وقام طارق بإيد بتترعش ومد إيده ورفع أول ورقة. وشه اصفرّ وبقت شفايفه وهو بيقرا عقد الملكية المسجل بختم الشهر العقاري، العقد اللي باسمي أنا لوحدي، ورثي اللي سابتهولي أمي الله يرحمها واللي اشترته بشقا عمرها، وكان طارق مجرد ضيف عايش فيه بحكم الزواج.
طارق بص لأمه بذهول وقال بصوت واطي ومخفي: “البيت… البيت باسم مريم يا أمي…”
الصمت نزل على الصالة زي الصاعقة. الوشوش كلها جابت ألوان، ونُهى الست رفعت صباعي وطلعت الورقة الثانية من الملف، ورقة صفرا شوية بس أختامها واضحة وضوح الشمس. بصيت لطارق وبصيت لحماه عم أحمد اللي كان قاعد ساكت ومستني يقسم التورتة، وقلت بصوت هادي جداً بس يرعب: “مش بس البيت باسمي يا طارق… فاكر الشراكة اللي دخلت فيها من سنتين مع الحج أبلوك عشان تفتحوا معرض العربيات؟ فاكر الفلوس اللي قلت إنك استلفتها من طوب الأرض وسددتها؟”
طارق عينيه زاغت وركبته خبطت في الثانية، ورجليه ما بقتش شايلاه.
كملت كلامي وأنا بقلب الورقة قدام عينيهم: “الفلوس دي طالعة من حسابي أنا، والتوكيل اللي أنت ماضيهولي بإدارتك للمعرض كان بشرط جزائي وإقرار دين بكامل قيمة البضاعة والمعرض باسمي أنا قانوناً! أنت مش بس عايش في بيتي… أنت شغال عندي يا سي طارق، وكل قرش في جيبك وفي حسابك في البنك محجوز عليه بضمان الشيكات اللي أنت ماضيها على نفسك ليا عشان تأمن شغلك!”
الحاجة صفية صرخت وبصت لابنها: “الكلام ده صح يا طارق؟! أنت بايع نفسك ومستقبلك للبت دي؟!”
طارق ما قدرش يرد، نزل على الكرسي كأنه جثة هامدة، ووشه بقى زي الميتين. أخته منار قامت تجري عليه مسكته من كتفه: “رد يا طارق! قولي إن الورق ده مزور! قولي إن دي تمثيلية!”
بصيت لنُهى الحامل وقرّبت منها خطوة، الست جمدت في مكانها والخوف ملأ عينيها، قلت لها بتريقة: “كنتي جاية تلمي عزالي وتورثي البيت وتعيشي فيه بالهنا والشفا؟ أهو البيت صاحبته واقفة قدامك، وجوزك العزيز اللي فرحانة بيه ده مش حيلته لقمة يومه، ولو خرجت من باب الشقة ده دلوقت، هخرج وعلى إيدي أوراق تقديمه للنيابة بتهمة تبديد وخيانة أمانة بالشيكات اللي معايا!”
أبوه الحاج طه قام وقف وهو بيترعش، ولأول مرة من ساعة ما دخلوا البيت صوته يتغير ويتكسر، قرب مني وإيده بتترعش وقال بقلة حيلة: “يا مريم يا بنتي… صلي على النبي، إحنا أهل وما ينفعش الكلام ده بيننا، طارق غلطان وراسه تحت جزمتك، بس اعفي عنه عشان خاطرنا وعشان طيشه!”
الحاجة صفية اللي كانت من شوية بتبصلي ببجاحة وتطلب مني ألم عزالي وأغور، وقعت على الكنبة وبقت تبصلي بعيون مليانة دموع وذل، مسكت إيدي وهي بتترجى: “وحياة رأس أمك الله يرحمها يا مريم يا بنتي ما تخربي بيته، استهدي بالله ونحلها ودي… اللي أنتِ عايزاه هيتعمل، وهنخلي نُهى دي تتنازل عن كل حاجة وتغور في ستين داهية وما تعتبش شبر هنا!”
نُهى سمعت الكلام ده وبصت لحماتي بصدمة وبدأت تصرخ: “يعني إيه؟! أنتم كنتوا جايبيني هنا عشان ترموني لما عرفتم إنكم مش حيلتكم حاجة؟! وطارق اللي ضحك عليا وقال إنه صاحب البيت والمعرض يسبني كدة؟!”
بصيت لشكله وهو مزلول تحت رجليا، الشاب اللي كنت فاكراه ضهري وسندي، الشاب اللي حبيت في يوم من الأيام بكل جوارحي، نازل يستجداني أرحمه بعد ما كان جاي يرميني في الشارع بكامل قوته وعيلته.
سحبت طرف عبايتي من إيده بكل قرف، ولميت أوراقي وحطيتها جوه الملف، وقفت في نص الصالة وبصيت للستة بني آدمين اللي كانوا قاعدين يوزعوا في حياتي وفي بيتي، وقلت لهم بنبرة حسمت كل شيء: “الذل اللي أنتم فيه ده مجرد بداية…”


