روايات وقصص

جوزي خلاني أعمل عزومه 2

الفصل الخامس (قبل الأخير): عودة الحق وكسر الغرور
الليل جه ببطء وثقل على الشقة اللي كانت من ساعات قليلة بتضج بصوت المعازيم والضحك المصطنع. حماتي انسحبت من سكات، مكسورة العين، ومش قادرة تنطق بحرف واحد بعد ما شافت ابنها “سي السيد” وهو بيمضي على وثائق بتثبت إن ملكيته لكل اللي حواليه مجرد وهم كبير. سابتنا وراحت على بيتها وهي بتمتم بكلام مش مفهوم، وأحمد فضل قاعد على كرسي السفرة، باصص في الأرض، ووشه شاحب وملامحه متبدلة تماماً.
قربت منه وأنا سندا دراعي المتجبس، وقعدت على الكرسي اللي قصاده. رفعت عيني وبصيت له بهدوء تام، خالٍ من أي غضب أو حقد، لكنه مليان ببرود القوة اللي بتولد بعد كسر طويل.
“زعلان يا أحمد؟” سألته بصوت هادئ.
رفع راسه ببطء، وعينيه كانت مليانة دموع القهر والحرقة، وقال بصوت مكسور ومبحوح:
“دمرتيني يا سارة.. فرمتيني قدام نفسي وأهلي وناس الشغل. الإيصالات والشقة اللي بقت باسمك، واسمي اللي بقى في العالي نزل للأرض في ساعة.. ده أنتي كنتي مجهزة كل خطوة وكأنك مستنياني أقع!”
هزيت راسي بابتسامة خفيفة وقولت له:
“مستنياك تقع؟! بالعكس يا أحمد.. أنا كنت بدعي ربنا كل يوم أصحى ألاقيك بتقدّر، ألاقيك بتحس بتعبي وسنين عمري اللي راحت في خدمتك وخدمة بيتك. أنا مكنتش مستنية وقعتك، أنا كنت مستنية حنيتك.. بس أنت اللي اخترت تعاملني كأني أثاث في البيت، قطعة ديكور لما تضايقك ترميها، ولما تحتاجها تشدها.”
سكت شوية، كأنه بيحاول يستوعب حجم الخساير اللي اتعرض لها، وبعدين نزل راسه وقال بصوت واطي:
“أنا آسف.. والله العظيم آسف. مكنش قصدي أوصل الأمور لكده.. الغرور عماني، وكنت خايف على منظري قدام الناس أكتر من أي حاجة تاني. صدقيني، ندمان.. أقسم بالله ندمان.”
بصيت له نظرة طويلة وقلت بحسم:
“الندم لوحده مش بيصلح كسر يا أحمد.. ولا بيرجع الروح اللي اتطفت. الورق اللي مضيت عليه مش مجرد عقود أو شقق، ده صك بقائي واستردادي لنفسي اللي ضاعت سنين وأنا أدور عليها ومش لاقيها. الشقة بقت باسمي، وحقوقي متأمنة، ودرس العزومة ده هيفضل محفور في ذاكرتك لحد آخر يوم في عمرك.”
وقف وثبت في مكانه كأنه بيلقط نفسه الأخير، وقال برجاء:
“طب وهنبعد؟ هطلقيني؟ بعد كل ده.. لسه في أمل نصلح اللي اتكسر ولا خلاص؟”
وقفت و سندت دراعي، وقولت له بنبرة قاطعة:
“الطلاق ده قراري أنا، ومش دلوقتي.. الوقت ده مش عشان نصلح اللي اتكسر، الوقت ده عشان تتعلم إزاي تحترم الإنسانة اللي شاركَتْك عمرك وشقائك. أنا هفضل في البيت ده، بس بشروطي أنا، ومن بكرة.. أنت اللي هتقوم بكل شغل البيت، وأنا اللي هشرف وأنت اللي هتنفذ، عشان تحس بنفسك يعني إيه وجع وتعب.”
بص لي بصدمة وهو مش مصدق اللي بيسمعه، لكنه مكنش عنده أي طاقة يعترض أو يناقش. سيبته و دخلت أوضتي، قفلت الباب ورايا، ولأول مرة من سنين طويلة.. نمت وأنا حاسة بسلام داخلي غريب، حسيت إن دراعي المكسور هو السبب الحقيقي اللي خلاني أشوف النور وأحرر نفسي من سجن العبودية اللي كنت فيه.مرت أسابيع طويلة على الليلة اللي غيرت مجرى حياتنا كله.. الليلة اللي أثبتت إن القوة مش بالصوت العالي ولا بالعضلات، وإن الست لما بقرر تحافظ على كرامتها، بتقدر تعيد صياغة حياتها من أول وجديد مهما كانت الظروف صعبة.دراعي بدأ يخف بالتدريج، وفك الجبس كان بمثابة إعلان رسمي لبداية حياة جديدة خالص جوه البيت.أحمد اتغير 180 درجة.. مبقاش “سي السيد” اللي قاعد حاطط رجل على رجل ومستني الأوامر تتنفذ. الدرس اللي خده كان قاسي جداً وثمنه كان غالٍ، لدرجة إنه بقى أول ما يصحى من النوم يسألني: “عاملة إيه يا سارة؟ دراعك بيوجعك؟ أعمل لك فنجان القهوة بنفسي؟”.
حماتي حاولت في الأول تدخل وتعمل مشاكل، بس لما لفتت نظرها إن ابنها هو اللي مضطر يمشي على الحبل عشان يصلح غلطته، وإن الشقة بقت باسمي، وإيصالات الأمانة لسه في حرز أمان مع المحامي للضمان، فضلت السكوت والبعد.. لإنها عرفت إن اللعبة اتغيرت، وإن “سارة” القديمة اللي كانت بتستحمل وتضحي بدم قلبها ماتت وطلع مكانها امرأة قوية بتعرف كويس قوي تاخد حقها.
في يوم، كنت قاعدة في الصالة بقرأ كتاب، ودخل أحمد وهو شايل صينية الفطار، حطها قدامي بابتسامة خفيفة وقال:
“الفطار جاهز يا ست الكل.. وبصı، أنا خلصت تنظيف الشقة كلها ومسحت المدخل زي ما طلبتي بالظبط.. طمنيني، لسه زعلانة مني؟”
بصيت له وابتسمت ابتسامة هادية، وقفلت الكتاب وسندت ظهري للورا وقلت:
“أنا مش زعلانة يا أحمد.. بالعكس، أنا بشكرك.”
استغرب وقعد قصادي: “بتشكريني على إيه؟ على القسوة والتعب اللي شفتيه بسببي؟”
هزيت راسي وقلت بصدق:
“بشكرك لأنك درتني على قوتي.. خلتني أعرف إن روحي وكرامتي أغلى بكتير من أي لقب أو عشرة مزيفة. العزومة اللي كنت خايف تكشفك قدام الناس، كشفتك قدام نفسك وفتحت عيني على حقيقة حياتي.. ومن اللحظة دي، البيت ده مش بيمشي بأمرك لوحدك، ده بيمشي بالاحترام المتبادل وبس.”
أحمد هز راسه بامتنان وندم حقيقي وقال:
“أنا عرفت قيمتك كويس يا سارة.. وعمري ما هنسى الدرس ده أبداً.”
بصيت للباب المفتوح وراحت عيني للشرفة، وحسيت برياح الحرية بتملى البيت.. دراعي خف، جروحي التأمت، وقلبي رجع ينبض بحب الحار والتقدير لنفسي قبل أي حد تاني. النهاية مكنتش طلاق بيخرب بيت، النهاية كانت بداية حقيقية لحياة أساسها الاحترام، والقانون فيها كان للست اللي مصדقت تلاقي طريقها.

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى