منوعات

حكايات زيزى1

قفلت الموبايل.

ورحت نمت.

ودي كانت أول ليلة من تلات سنين أنام فيها من غير ما أفضل أسأل نفسي: يا ترى أنا عملت إيه غلط؟

الساعة سبعة الصبح، فتحت الموبايل.

فضل يحمل الإشعارات حوالي دقيقتين كاملين.

180 مكالمة فائتة!

آلاف التفاعلات.

وعشرات الرسائل من زمايلي في الشغل، وأفراد عيلتي، وناس أعرفهم بالاسم بس.

أول مكالمة رديت عليها كانت من ماما.

— إيميلي! إنتِ فين؟! أم دانيال واقفة قدام بيتنا ومعاها عيلتها كلها!

— صباح الخير يا ماما.

— صباح الخير إيه بس؟! دول بيزعقوا وبيقولوا إنك سرقتي فلوس ابنهم! أبوكي خلاص هينزل يتخانق معاهم!

صبّيت لنفسي كوباية مية بكل هدوء.

— ما تفتحوش الباب لحد. ولو فضلوا يضايقوكم، اتصلوا بالشرطة.

— بس إيه اللي بيحصل يا بنتي؟!

— الفلوس اللي هما بيطالبوا بيها موجودة في حساب باسمي. دي فلوسي أنا، مرتبي ومدخراتي والمكافآت اللي أخدتها من شغلي. ومعايا كل إثبات يثبت الكلام ده.

— إيميلي…

— يا ماما، المرة دي سيبيني أتصرف بنفسي.

وقفلت المكالمة.

وفورًا ظهر اسم تاني على الشاشة.

«الشريرة».

وده كان الاسم اللي مسجّلة بيه حماتي عندي.

عملت كتم للموبايل ودخلت أخد دش.

وأنا تحت المية السخنة، افتكرت إزاي وصلت للمرحلة دي كلها.

دانيال باركر كان حب عمري من أيام الجامعة. ودلوقتي بقى مدير مشروعات في نفس شركة التكنولوجيا اللي بشتغل فيها أنا كمهندسة عادية.

أما صوفي بينيت، صاحبتي المقربة من أيام المراهقة، فكانت بتشتغل معانا هي كمان.

واحد ائتمنته على جوازي.

والتانية ائتمنتها على كل أسراري.

والاتنين كانوا فاكرين إني ساذجة لدرجة إني عمري ما هكتشف خيانتهم.

على مدار تلات سنين، كنت بقبل حاجات عمري ما تخيلت إني أقبلها في يوم من الأيام.

دانيال كان بيقول إن البناطيل الرسمية بتخليني أبان متسلطة زيادة عن اللزوم، فبطلت ألبسها وبقيت ألبس فساتين بدلها.

أمه كانت بتنتقد أكلي، فاتعلمت أطبخ بالطريقة اللي تعجبها.

وصوفي كانت دايمًا بتشتكي من ظروفها المادية، فكنت بسلفها مكافآت شغلي لمدة ست شهور.

ولا رجّعتلي مليم واحد!

ولما دانيال بدأ يتأخر بره البيت، ويخبي موبايله عني، ويعمل رحلات شغل وهمية، كانت صوفي دايمًا جاهزة بتبرير لكل حاجة.

دلوقتي بس فهمت السبب!

بعد ما خرجت من الحمام، لقيت تلاتين رسالة جديدة من جوزي.

أول كام رسالة كانوا تهديدات.

«امسحي البوست ده حالًا!»

«إنتِ عارفة إنتِ بتعملي إيه في سمعتي؟!»

«أمي تعبت بسببك، وإنتِ السبب في اللي حصلها!»

وبعدها بدأ يغيّر أسلوبه، ويمثل إنه ندمان.

«حبيبتي، إنتِ فهمتي الموضوع غلط.»

«دي كانت مجرد فعالية ترفيهية للشركة عشان الموظفين يتقربوا من بعض.»

«أنا وصوفي مجرد أصحاب، مفيش بينا أي حاجة.»

«ارجعي البيت، أنا قلقان عليكي.»

وبعدها بعتلي رسالة أخيرة قال فيها:
حكايات_زيزي
— إيميلي، أرجوكي، ما  جوازنا بسبب صورة واحدة…حكايات_زيزي

— إيميلي، أرجوكي، ما  جوازنا بسبب صورة واحدة…

الرسالة الأخيرة اللي بعتها دانيال فضلت منورة على الشاشة لفترة طويلة، وأنا واقفة قدام المراية بنشف شعري بالفوطة بكل برود.
تدمير جوازنا؟!
هو لسه فيه جواز أصلاً عشان يتدمر؟! الجواز ده   من زمان، وكل اللي عملته إني حطيت لافتة واضحة على القبر عشان الكل يشوفها!
بصيت للموبايل وابتسمت بسخرية. بدل ما أرد عليه، دخلت على تطبيق البنك، واتأكدت للمرة المليون إن كل حساباتي الشخصية منفصلة تماماً، وإن فلوسي، ومرتبي، ومدخراتي، والمكافآت اللي تعبت فيها طوال سنين شغلي في شركة التكنولوجيا، في حتة آمنة تماماً ومفيش أي صلة بينها وبين حساباته. هما كانوا فاكرين إني هبلة، بس أنا كنت دايماً بسيب خط أمان لنفسي، يمكن إحساس داخلي بالخيانة كان بيحرّكني من غير ما أعرف.
فتحت باب الشقة اللي كنت مؤجراها لوحدي من أسبوعين من غير ما حد فيهم يعرف — أيوة، كنت مجهزة نفسي للخطوة دي وكاتبة عقد الإيجار باسمي وبسرية تامة، وكنت ناظمة أموري كلها — ولبست بدلة رسمية أنيقة جداً باللون الأسود، ورجعت لبست “البنطلون الرسمي” اللي دانيال كان بيمنعني منه عشان بيخليني أبان “متسلطة”! حسيت وأنا بلمس قماش البنطلون إن روحي رجعتلي وإن إيميلي القديمة القوية بدأت تصحى من النوم العميق اللي دخلت فيه تلات سنين.
نزلت وركبت عربيتي، وفي الطريق لقيت تليفوني ما بيبطلش رنين. اتصلات من صوفي اللي شكلها جالها شلل نصفي من الفضيحة، واتصالات من دانيال، ومن حماتي اللي غالباً كانت بتصرخ في مكالماتها. عملت “صامت” لكل ده، وفتحت جروب الواتساب الخاص بالقسم الهندسي في الشركة.

كتبت رسالة قصيرة جداً:
«صباح الخير يا زملاء. نظراً للظروف الطارئة والشخصية اللي بمر بيها، أحب أبلغكم إنني متواجدة النهاردة في مكتبي كالعادة، وأي حد عنده استفسار خاص بمشروع الذكاء الاصطناعي يقدر يشرفني في أي وقت.»
وصلت الشركة على الساعة تسعة إلا ربع.
من أول ما دخلت من بوابات الشركة، حسيت إن الجو مشبع بالتوتر والهمسات. الموظفين اللي قابلتهم في الممر أول ما شافوني، بصوا لي نظرة مذهولة كأنهم بيشوفوا شبح. طبعاً بوست الفيسبوك كان انتشر في الشركة كالنار في الهشيم، وكل مهندس وإداري هناك كان بيتفرج على “سحب الموبايل الجديد” اللي أعلنته على صفحتي!
دخلت مكتبِي، فتحت اللابتوب، وبدأت أشتغل بتركيز تام كأن شيئاً لم يكن. بعد دقايق معدودة، الباب اتفتح بعنف من غير طارق.
دخل دانيال. وكان شكله مدمر تماماً. شعره منكوش، ووجهه شاحب، وعينيه حمرا من السهر والعيط أو يمكن الخوف من الفضيحة وسط زملائه في الإدارة العليا.
— إيميلي! أنتي اتجننتي رسمياً؟! إنتي بوظتي حياتي وحياة صوفي وحياتنا كلنا!
رفعت راسي بهدوء تام، وبصيت له من فوق نظارتي الطبية اللي كنت لابساها للتركيز:
— صباح النور يا دانيال. صوتك عالي ليه؟ احنا في مكان عمل، والمفروض كمشروع ميكس مدير زيك يكون أعقل من كده بكتير.
قرب من المكتب وضرب بإيده عليه بقوة:
— بطلي البرود ده! أمي قاعدة قدام بيت أهلك في حالة انهيار، وصوفي مش راضية ترد على حد وقفلت تليفونها من صدمة التعليقات على البوست بتاعك! الناس كلها في الشركة بتبص لنا بنظرات غريبة! الشركة ممكن تفتح تحقيق في علاقات العمل المشبوهة، وأنتي عارفة قوانين المؤسسة كويس!
سندت ظهري على كرسي المكتب، وكتّفت إيدي باسترخاء:
— أوه، قوانين المؤسسة؟ فعلاً، عندك حق. تفتكر إدارة الموارد البشرية هتقول إيه لما تعرف إن مدير المشروعات كان بيستغل منصبه وسلطته عشان يسهل صفقات ومكافآت لأعز صديقات مراته — اللي صدفة تكون عشيقتة — على حساب باقي المهندسين الكويسين اللي بيتعبوا بجد؟ ولا يمكن يحبوا يعرفوا تفاصيل “رحلات الشغل الوهمية” اللي كنت بتعملها بره البلد؟ معايا إيصالات ورسائل وفواتير تثبت كل كلمة، وتحت إيدي نسخة احتياطية من كل صغيرة وكبيرة.
دانيال اتنفض مكانه ولونه خطف. فتح بقه عشان ينطق بحرف، بس الحروف هربت منه. وقف جامد مكانه كأنه شاف عفريت، وهو بيبص لي وكأنه بيشوفني لأول مرة في حياته. الشخصية المغلوبة على أمرها اللي كانت بتطبخ الأكل اللي أمه بتحبه وتغير لبسها عشان يرضيه، اختفت تماماً واتولدت مكانها امرأة ثانية خالص.
— إنتي… إنتي مش إيميلي! إنتي مين؟!

ضحكت بصوت عالي ملا المكتف كله:
— فعلاً، أنا مش إيميلي اللي كنت بتلعب بيها تلات سنين. إيميلي الحقيقية رجعت، وأعتقد دي البداية بس.
في اللحظة دي، تليفون دانيال اللي كان في جيبه رن بصوت مزعج. طلعه بايد بتترعش وبص للشاشة بخضة، وبعدين رفع عينه ليا.
— دي… دي الإدارة العليا… بينادوني لمكتب المدير العام فوراً!
— طيب استنى إيه؟ روح بسرعة، ما تخليش المدير يستنى، زي ما كنت بتخليني أنا أنتظرك ساعات بالساعات وأنت مع صوفي على البحر!
دانيال بلع ريقه بصعوبة بالغة، وبص لي بنظرة كلها رجاء وتوسل، بس عيوني كانت جامدة تماماً زي الحجر. لف وخرج من المكتب بخطوات مهزوزة والباب اترزع وراه بقوة.
قعدت مكاني، وفتحت ملف المشروع الجديد، وابتسمت وأنا بشرب قهوتي السخنة. دي كانت مجرد الجولة الأولى، والمعركة الحقيقية لسه هتبدأ.
مرت الساعات اللي بعد كده كأنها كابوس حقيقي لدانيال وصوفي، لكن بالنسبة لي كانت أحلى ساعات عشتها في عمري كله.
على الساعة اتنين الظهر، جالي إيميل رسمي من إدارة الموارد البشرية بطلب اجتماع طارئ في قاعة الاجتماعات الكبرى. طبعاً طلبي لحضور الاجتماع كان بصفتي “مهندسة رئيسية في المشروع المتضرر”، ودانيال كان مطلوب للتحقيق بخصوص شكاوى إدارية واضحة تتعلق بتضارب المصالح وإساءة استخدام السلطة، بناءً على المستندات اللي تسربت للإدارة (مش أنا اللي سربتها طبعاً، بس يبدو إن بوست الفيسبوك لفت انتباه الرقابة الإدارية للشركة بشكل مباشر!).
دخلت قاعة الاجتماعات بكل ثقة وثبات، كنت لابسة البدلة السوداء ومسكتي كلها هيبة. لقيت دانيال قاعد على الكرسي ووشه في الأرض، وحمامه المدعو “دانيال” جالس جنبه بيمسح عرقه بمنديل ورقي كل ثانية. أما صوفي، فدخلت بعدي بدقايق، وكانت عينيها حمرا وبتعيط بانهيار واضح، وشعرها منكوش وباين عليها آثار الصدمة والانهيار العصبي بسبب التعليقات والهجوم الشرس اللي شافته على صفحتها وصفحة الشركة.
رئيس مجلس الإدارة — رجل مسن وصارم جداً — بص لنا كلنا بجدية وقال:
— الأستاذة إيميلي قدمت تقرير رسمي مدعم بالأدلة الرقمية والمستندات المالية بيثبت تجاوزات إدارية خطيرة في قسم إدارة المشروعات. وبما إن السيدة صوفي بينيت والسيد دانيال باركر أطراف رئيسية في القضية، وبناءً على قوانين الشرف المهني للشركة…
قطع كلامه صوت صوفي وهي بتعيط بصوت عالي:

— أرجوك يا فندم! دي مؤامرة! إيميلي بتنتقم منا عشان خلافات شخصية! الصورة دي مفبركة أو بعتها بالغلط ومش مقصود بيها أي حاجة!
بصيت لها ببرود قاتل، وطلعت تليفوني بهدوء، وحطيت قدامها على الطاولة صورة واضحة جداً لرسالتها اللي بعتها لي وقالت فيها بحرف الواحد:
«يا نهار أبيض، معلش يا إيميلي! صباعي جابني بالغلط!»
الصوت في القاعة اصبح هادئ تماماً لدرجة تسمع صوت دبابيس الدبوس لو وقع. الكل بص لصوفي باشمئزاز واكتشاف لحجم الكذب الساذج اللي كانت بتحاول تداري بيه .
رئيس مجلس الإدارة هز راسه بأسف وقال لدانيال وصوفي:
— القرار أُخذ بالإجماع. فصل تام من الشركة بدون أي مستحقات إضافية بسبب الإضرار المباشر بسمعة المؤسسة وتضارب المصالح الواضح، مع فتح تحقيق مالي رسمي في كل المكافآت اللي تم صرفها خلال الثلاث سنين اللي فاتوا.
دانيال صرخ بحجنون:
— فصل؟! ده معناه تدمير مستقبلي المهني كله! إيميلي، بالله عليكي اتكلمي قوليلهم إن ده هزار! إنتي مراتي!
وقفت مكاني بهدوء، ولميت أوراقي في حقيبتي الجلدية الأنيقة، وبصيت له نظرة أخيرة خالية من أي مشاعر عاطفية، وقلت بصوت حاسم:
— مراتك السابقة يا دانيال. أوراق  هتكون عندك في البيت قبل ما تخلص تجهيز شنطتك.
خرجت من قاعة الاجتماعات، والهواء النظيف المملوء برائحة الحرية والبدايات الجديدة استقبله صدري. حسيت إن القيود اللي كانت متكبلة بيها روحي طوال تلات سنين اتفككت دفعة واحدة. تليفوني رن مرة تانية برقم ماما، رديت عليها وأنا مبتسمة لأول مرة بصدق:
— نعم يا ماما؟ افتحي الباب لأبو دانيال وقوليله إن العرض خلص، والفلوس اللي بيسألوا عليها رجعت لصاحبتها وبزيادة كمان!

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى