
إزاي سليم يبعت لندا فلوس من ورايا؟ وليه مخبي عليا؟ وإيه السر اللي بينهم؟
وفي اللحظة دي رن التليفون مرة تانية ولما رديت سمعت صوت ست بتقولي:
ـ إنتي سلمى مرات سليم؟
قولتلها:
ـ أيوه مين معايا؟
ردت الست وقالت:
ـ أنا واحدة تعرف الحقيقة اللي جوزك مخبيها عنك وصدقيني لو عرفتي اللي حصل زمان مش هتصدقي إن أختك ندا عملت كده.
وقبل ما أسألها أي سؤال قفلت السكة.
فضلت طول الليل مش عارفة أنام وكل اللي في دماغي سؤال واحد.
فضلت ليلة كاملة عيوني مغمضة بس دماغي شغال زي الساعاتي. كلام سليم الغامض، الرسالة اللي وصلتني من الرقم الغريب، ورسالة الست اللي كلمتني في التليفون.. كل ده كان عامل زي الحجارة اللي بترمي في مياه راكدة فتقلبت الدنيا في دماغي.
تاني يوم الصبح، مكنش عندي طاقة لأي حاجة. لا فتحت دولاب الدهب ولا بصيت على الدهب اللي كنت بفرزه وكنت شايفة روحي فوق الناس بسببه. كنت حاسة بقبضة في قلبي ومش قادرة أستنى لحد ما سليم ينزل مصر. مسكت التليفون ورجعت اتصلت بسليم أكتر من مرة، بس تليفونه كان مقفول. ده زود توتري وقلقي أكتر وأكتر.
فضلت قاعدة في الصالة لوحدي، الولاد كانوا في المدرسة، وكل شوية أفتكر كلام ندا وهي بتقول بدموع: «هو أنا عشان فقيرة أحرمها من حلمها؟» وكلماتها وهي ماشية: «ربنا يرزقك يا أختي ويباركلك في ولادك». حسيت إن في نبرة صوتها مكنش فيها كره ولا حقد، بالعكس.. كان فيها نوع من أنواع الشفقة أو يمكن القهر اللي أنا مكنتش فايقالها ولا مهتمة أفهمه.
بعد العصر، سمعت جرس الباب بيرن.
قلبي نط في صدري. جريت على الباب مفكرة إن سليم رجع فجأة من السفر أو إن ندا رجعت تانی. فتحت الباب بسرعة، بس المرة دي مكنش سليم ولا ندا.
كانت ست غريبة، شكلها وقور وعليها سيما الستر، لابسة عباية سوداء وبان على وشها إرهاق السفر أو المشوار الطويل. بصتلي بعيون مليانة حزن وقالت بصوت هادئ:
ـ إنتي سلمى؟
بصتلها بتوتر وقلت:
ـ أيوه، أنا سلمى.. حضرتك مين؟ وعرفتيني منين؟
دخلت الست بخطوات بطيئة من غير ما تستأذن، وقعدت على أول كرسي قابلها في الصالة وهي بتاخد نفسها بصعوبة. بصت حواليها في الشقة الواسعة والفرش الغالي، وبعدين بصتلي وقالت:
ـ أنا اللي كلمتك امبارح بالليل في التليفون.. واسمي امينة.
عقدت حواجبي وسألتها بحدة شوية لأني مكنش فيا طاقة للضباب ده:
ـ أمينة مين؟ وإيه اللي جابك عندي؟ وعرفتِ رقمي منين؟ وايه حكاية سليم وندا اللي مش عايزة تخلص دي؟
أمينة هزت رأسها بابتسامة حزينة وقالت:
ـ اجهدي نفسك شوية يا سلمى، واقعدي اسمعي الكلمتين اللي جاي أقولهم لك، لأن لو مسمعتيش مني دلوقتي، هتعرفيهم بعدين بس متأخر أوي، ساعتها الندم مش هيجيب نتيجة.
قعدت قدامها على الكرسي وأنا حاسة أنفاسي بتضيق. قلت لها بصوت مهتز:
ـ اتكلمی.. سامعاكي. مين ندا بالنسبة لجوزي؟ وإيه حكاية الفلوس اللي كان بيبعتها لها من ورايا؟
أمينة تنفسعت بعمق وقالت:
ـ قبل ما سليم يسافر فرنسا بخمس سنين، وقبل ما أنتم أصلاً تتجوزوا وتستقروا.. أنتي تعرفي سليم كان بيشتغل إيه في الأول؟
قولت بسرعة:
ـ أيوه طبعاً، كان محاسب في شركة تعبانة هنا، وقبل ما نسافر أو هو يسافر سافر عشان يحسن دخله.
أمينة هزت رأسها وقالت:
ـ لأ.. مش دي الحقيقة كلها. سليم كان بيشتغل في نفس البلدة أو الحي اللي كانت عايشة فيه ندا وجوزها المرحوم. وكان بيحب ندا حب جامد جداً، وكانوا متفقين على الجواز.
اتصدمت لدرجة إن الكرسي حسيت إنه بيميل بيا. صرخت بصوت عالي:
ـ إنتي بتقولي إيه؟! سليم كان بيحب مين؟! ندا؟! أنتي مجنونة ولا بتجيب الكلام ده منين؟! سليم متزوجني أنا من ١٥ سنة، و..
قاطعتني أمينة ببرود وقالت:
ـ اسمعي للاخر يا سلمى. سليم كان بيحب ندا، وفعلاً اتقدم لها، بس أهل ندا رفضوه في البداية لأنه كان على قد حاله وماعهوش يفرش شقة ولا يعمل شبكة، وهي غصباً عنها سمعت كلام أهلها واتجوزت راجل تاني اللي هو أبو بنتها حنان. سليم اتهد تماماً وقتها، وسافر فرنسا وهو منكسر ومجروح، وقابلني هناك، وحكالي كل حكايته مع ندا.. إزاي كان بيحبها وإزاي هي ضاعت من إيده.
دموعي نزلت غصب عني، ومشاعري كانت متلخبطة بين الغضب والغيرة والذهول. سألت بصوت منهار:
ـ وإيه اللي جابه ليا بعد كده؟ ليه اتجوزني أنا؟
أمينة بصت في عيني مباشرة وقالت:
ـ بعد ما سافر بكام سنة، وقرر ينزل مصر إجازة، قابل ندا بالصدفة.. لقى جوزها مات وسابها فقيرة وغلبانة وبتربي بنتها في حارة شعبية وفي ظروف صعبة جداً. ساعتها حنّ لها قلبه القديم، ولقى إنها محتاجة مساعدة حقيقية مش مجرد كلام. بس هو كان عارف طبعك كويس يا سلمى.. عارف إنك طموحة وبتحب الفلوس والدهب وبتدقق في كل قرش، ولو عرفتي إنه بيبعد جزء من فلوسه لمساعدة حب طفولته اللي ضاعت منه، هتقومي الدنيا ومش هتقعديها.
كدّبت وداني وقلت بصريخ:
ـ تقولي إن الـ 2500 دولار اللي كان بيبعتهملي كل شهر، كان بيطلع منهم فلوس لندا من ورايا؟!
أمينة كملت بصوت ثابت:
ـ مش بس كده يا سلمى.. سليم كان بيبعت لندا كل شهر مبلغ ثابت من فلوسه الخاصة اللي بيشقا فيها هناك في فرنسا، ومكنش بيحرمك أنتي ولا أولادك من حاجة، بالعكس، كان بيبعتلك كفايتك وزيادة، والباقي كان بيبعته لندا عشان تستر نفسها وبنتها حنان، وميرضاش يشوفها بتشتغل في البيوت زي الخدامة وهي في الأصل كانت في يوم من الأيام حب عمره اللي متجوزهاش!
حسيت إن الدنيا بتلف بيا. كلام أمينة كان نزل على دماغي زي الصاعقة. ندا اللي كنت مستحقرتها ومستهينة بيها وبظروفها، واللي طردتها امبارح وقطعتا عنها الـ700 جنيه، طلعت هي الست اللي جوزي بيحبها من سنين ولسه شايل لها مكان في قلبه، وكان بيبعتلها من ورايا!
قبل ما أنطق بحرف واحد، التليفون رن على الترابيزة.
بصيت للتليفون لقيته “سليم”.
مسكت التليفون بسرعة وفتحت الخط، وصرخت فيه وأنا منهارة من العياط:
ـ إنت فين يا سليم؟! كل ده وبتكدب عليا؟! ندا.. ندا دي تبقى إيه بالنسبة لك؟! وأمينة هنا عندي في البيت حكت لي كل حاجة!
سليم سكت على الجانب التاني من الخط لفترة طويلة، وبعدين سمعت صوته مرهق وضعيف وهو بيقول:
ـ أنا في المطار يا سلمى.. لسه واصل مصر من دقايق، ورايح على بيت ندا أطمن عليها بعد ما قلتيلي إنك طردتيها وقطعتي عنها الفلوس.. وبعدها جاي لك عشان نتكلم وجهاً لوجه زي ما وعدتك.
قفلت التليفون في وجهه من غير ما أرد، وبصيت لأمينة اللي قامت من مكانها بهدوء، وفتحت باب الشقة ونزلت بهدوء كأنها أدت رسالة وجبتها.
بقيت لوحدي في الشقة الواسعة، وسط الدهب اللي ملوش أي طعم، وأنا حاسة إن حياتي كلها اللي بنيتها على الوهم والغرور بانهارت قدام عيني في لحظات.



