
قلت بلهفة وخوف وعرق سرد من جبيني: “أنا.. أنا جوزها.. طمني يا دكتور، مالها؟ هي كويسة؟”
الدكتور بص لي نظرة غريبة فيها شفقة على استغراب شديد، وقال بهدوء: “المدام تعرضت لهبوط حاد جداً في الدورة الدموية وسوء تغذية مزمن، جسمها ضعيف لأقصى درجة ومكلتش بقالها أيام، وواضح إنها نايمة في الشارع.. بس الأهم يا استاذ، إننا لازم نعمل لها الفحوصات اللازمة فوراً، لأن باين على جسمها آثار تعب وإصابات قديمة، والأغرب من كده، إننا واحنا بنكشف عليها عشان نسعفها لقينا معاها شنطة قديمة فيها أوراق ومستندات..”.
سكت الدكتور ثواني وكمل بصوت واطي: “مستندات طبية بتثبت إنها كانت محجوزة في مصحة نفسية وعصبية.. وإنها خرجت منها بطريقة غير منتظمة من سنتين تقريباً!”
هنا حسيت إن جدار الصدمات والتحمل اتهد تماماً فوق دماغي.. مراتي اللي كنت مفكر أنها هربت خوفاً مني ومن غضبي على موت بنتنا، مكنتش هاربة مجرد هروب عادي.. دي كانت هاربة لأن عقلها ودنيتها اتقلبوا جنوناً بعد الحادثة! سافرت، واتهت، وتعبت نفسياً ودخلت مصحة، وخرجت تايهة، وخلّفت بنت تانية سمّتها على اسم بنتنا الراحلة، وعاشت مرمية ومعذبة في الشارع.. وكل ده وأنا كنت في السعودية عايش على وهم أنها “خافت مني”!
وقفت مش عارف أنطق بحرف واحد، عيوني مسلطة على باب الأوضة، وحاسس إن القصة الكبيرة دي لسه مخبية أسرار أبشع وأسود بكتير من اللي سمعته.
دخلت الممرضة ومدير المستشفى ومعاهم فردين أمن، وبصوا لي بنظرات كلها جفاء وتحذير، وقام الدكتور اللي كان مشرف على حالتها وقال بحدة ونبرة رسمية: “يا استاذ سامح، الأمور معقدة جداً، النيابة والشرطة وصلوا بناءً على البلاغات القديمة اللي تخص مراتك، والمستشفى ملزمة قانونياً بتسليمها للجهات المختصة فور استقرار حالتها، لأن عليها قضايا ومحاضر متجمدة من سنين بتهمة الإهمال الجسيم والتسبب في وفاة طفلة”.
كلمات الدكتور نزلت على دماغي زي المطرقة، بصيت ورا ضهره من زجاج باب أوضة الطوارئ، لقيت عسكري شرطة وأمين شرطة واقفين مستنيين بره، والدنيا بتلف بيا أكتر وأكتر. يعني إيه؟ يعني بعد كل العذاب ده، وبعد ما لقيتها مرمية قدام عيني وهي في الموت، أهلي عايزين يدخلوها السجن أو مصحة إجبارية وهي مريضة أصلاً وفاقدة النطق من كتر الصدمة؟!
جريت على الباب وفتحته وطلعت للظابط وأنا أعصابي منهارة، مسكت فيه وبصوت كله رجاء ودموع نازلة غصب عني قلت له: “باشا.. والنبي افهمني، دي مراتي، البنت اللي ماتت دي بنتنا كلنا، وأهلي هم اللي بلغوا في وقت غيابي وهما في حالة صدمة، مراتي مريضة نفسية ومغيبة عن العالم، مش مجرمة! ارجوك استنى عليا شوية لما تفوق ونتفاهم مع النيابة، حرام عليكم ضيعتوا بيتي وعمري!”
الظابط بص لي نظرة فيها شيء من التعاطف بس رد بحزم وقانونية: “يا استاذ سامح، القانون قانون، والمحاضر القديمة دي تسجلت ضدها وهي هاربة، لازم نبلغ الجهات المختصة ونحولها للنيابة أول ما تسترد عافيتها، وبخصوص الطفلة اللي معاها دي، هتتسلم لدار رعاية لحين استكمال التحقيقات”.
ساعتها حسيت إن روحي بتتسحب مني ببطء، بصيت للبنت الصغيرة “حنين” اللي كانت قاعدة على الكرسي متمسكة بجلابيتها وبتعيط بوجع وهي بتقول: “عبي.. هو البوليس هياخد ماما؟ والنبي لا.. والنبي ما تسيبهم يا عمو!”
نزلت على ركبي قدام البنت الصغيرة، وخدتها في حضني رغم كل اللي أنا فيه، وقلت لها بصوت متهدج وغصب عني الدموع بتغرق وشي: “متخافيش يا حبيبتي.. متخافيش يا حنين، والله ما هسيبكم، أنا باباكي.. أنا اللي هحميكم مهما حصل!”
سكتت الطفلة شوية وهي بتبص لي باستغراب وخوف، لكن حضنتني بقوة كأنها لقت طوق نجاة وسط بحر الغرق. في اللحظة دي، اتحركت برجلي البطيئة وفتحت باب الأوضة اللي نايمة فيها “دنيا”، لقيتها فاقت وفتحت عينيها الباهتة وبتدور بعينيها برعب لحد ما شافتني داخل ومعايا الطفلة.
حاولت تقوم بس جسمها الخائر منعها، رفعت إيديها بتوسل وقالت بصوت مكسور ومتقطع: “سامح.. ابوس إيدك احميني.. أنا خايفة.. هما جايين ياخدوني؟ أنا والله ما قتلت بنتي.. والله ما سبتها متعمّدة!”
قربت منها بسرعة، قعدت على كرسي جنب السرير، ومسكت إيديها الباردة المرتعشة وبستها وأنا بقول بدموع حارة وصوت جاد وثابت: “محدش هيقدر يقرب منك يا دنيا.. خلاص، أنا رجعت ومش هسيبك تاني أبداً، لا إنتي ولا بنتنا حنين.. سامحيني على كل لحظة عذاب عشتيها وإنتي لوحدك وأنا مش جنبُك، حقي أنا وأهلي هطلعه، وهنرجع بيتنا مع بعض غصب عن الكل!”
فتحت “دنيا” عينيها على وسعها ودموع الفرحة والخوف اختلطت ببعض، وضغطت على إيدي بقوة كأنها بتستمد مني آخر قطرة حياة.. بس بره الأوضة، كان صوت خطوات العسكري والظابط بيقرب من الباب، وكان لسه في رحلة طويلة ومرعبة مع الحقيقة و100 سؤال عن اللي عمله أهلي في غيابي!
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”


