منوعات

حكايات شيمو 1

أول ما قربت من الشارع، لقيت عربية أخو أحمد المتوفي وأخوهم التاني واقفين تحت البيت، وشوفت عمتهم وخالهم طالعين على السلم. حسيت إن القعدة دي مش مجرد قعدة عادية دي محاكمة عائلية. دخلت من الباب المفتوح على نص مسقط، وكان صوت جوة الصالون عالي، وواضح إنهم كلهم مجتمعين جوه.
وقفت قدام باب الصالون الموارب، ولقيت قلبي بيدق بجنون كأنه هيطلع من صدري. سمعت صوت حماتي وهي بتقول بنبرة حاسمة وصارمة:
— «يا أحمد، البنتين دول بنات ابننا، ودمه في رقبتنا، ومراته لسه صغيرة والناس كلها بتعين عليها. شرع ربنا بيقول إنك أولى بيها وبهم، وابن أخوك اللي في بطنها أو اللي هيتربى في عزك ده أمانة في رقبتك! هتقول للناس إيه، تسيب أرملة أخوك للغريب؟»
صوت حماتي نزل عليا كالصاعقة. حسيت إن الجدران بتلف بيا. “أرملة أخوك.. والناس.. وعزك..”. يعني الإحساس اللي كان مرعبني وكنت بخفيه جوايا طلع حقيقي؟ أحمد ناوي يتجوزها؟
سمعت صوت أحمد، وكان صوته مكسور، متردد، وكأنه بيكافح عشان ينطق الكلام بطلوع الروح:
— «يا أمي ارحموني.. الموضوع مش بالبساطة دي.. أنا بحب مريم ومش عايز أظلمها، ومش قادر أحط نفسي في الموقف ده فجأة.. ده جواز مش لعبة!»
ردت عمتهم بصوت جاف وحاد:
— «ظلم مين يا أحمد؟ هي مريم أعز عندك من ابن أخوك اللي لسه مخدش حقه من الدنيا؟ ولا من وصية أخوك اللي مات وسابهم في رقبتنا كلنا؟ وبعدين أمك من أول يوم بتقول إن وشها كان نحس على البيت، وعايزنا نفتح صفحة جديدة بالستر، مش بالدلع الفارغ!»
في اللحظة دي، مابقيتش قادرة أستحنى أكتر من كده. إيدي اتمدت على الباب وزقته بقوة، ودخلت الصالون.
الكل سكت فجأة كأن طير وقف على أروسهم. الأنفاس اتشطبت، وعيون الكل اتجهت نحوي بصدمة. حماتي اتفاجئت ووشها اتقلب، وعمتهم بصتلي ببرود، أما أحمد.. فقام من مكانه بسرعة وجري ناحيتي وعينيه مليانة بالرعب والخوف والذنب، وقال بصوت مهزوز:
— «مريم!.. إنتِ.. إنتِ جيتي هنا إزاي؟!»
بصيت في عينه مباشرة، ودموعي كانت نازلة بس من غير صوت، وقلتله بصوت محشور بين الحزن والكرامة:
— «جيت عشان أسمع بنفسي.. جيت عشان بدل ما أعيش على حس إشاعات الناس، أسمع قرار الراجل اللي المفروض هيكون ضهري وجايبني على مية بيضا!»
بصيت لحماتي اللي كانت باصة لي بجمود، ورجعت بصيت لأحمد وقلتله:
— «يعني الكلام اللي سمعته صح يا أحمد؟ ناوي تتجوز مرات أخوك؟ وناوي تضحي بيا وبكل سنين الحب والخطط اللي بينا عشان إرضاء كلام أمك وعمتك وإحساس بالذنب ماليكم كلكم؟»
أحمد حاول يقرب مني ويمسك إيدي، وهو بيقول بتوسل:
— «أرجكي يا مريم افهميني.. والله العظيم الموضوع مش زي ما انتِ فاهمة، أنا مش عايز أتجوزها حبًا فيها، ولا خيانة لكي! دي ضغوط.. دي عيلة أخري، وصدمة الموت لسه مأثرة على البيت كله، وأمي حاطة الموضوع في رقبتي وبتقولي إن ده فرض عين عليا!»
سحبت إيدي من إيده بعنف، وبصيتله بغضب ووجع أول مرة أحسه في حياتي:
— «فرض عين عليك تتجوزها؟! طب وأنا.. أنا بقيت إيه في معادلتكم دي؟ مجرد خطيبة زايدة عن الحاجة ينفع تترمى أول ما تحصل ظروف؟ وإنت ليه ساكت؟ ليه بتسمح لهم يحملوني ذنب موت أخوك؟ هو أنا اللي قتلت أخوك يا أحمد؟! هو أنا اللي جيبت المصيبة للبيت؟!»
حماتي اتدخلت وقالت بصوت حاد وهي بتقف قدامي:
— «ايوة اتكلمي بجرأة كمان! من ساعة ما دخلتي حياتنا والبيت كله خربان، والمشاكل ورا بعضها، وابننا راح في ثانية، ودلوقتي جاية ترفعي صوتك في بيتنا؟! أحمد راجل وهيعمل الصح لبيت أخوه، واللي مش عاجبها الباب يفوت جمل!»
الكلمات كانت كالسياج اللي بتضرب في قلبي، بس الأقسى من كدة إن أحمد بدل ما يزعق لأمه أو يدافع عني، بص في الأرض وقال بضعف:
— «يا أمي لو سمحتي.. بلاش الكلام ده دلوقتي.. مريم برضه..»
قاطعته وضحكت بوجع:
— «برضه إيه يا أحمد؟ خطيبتك؟ ولا الضحية اللي هتيجي على جنب عشان ترضي ضمير العيلة؟ شوف يا أحمد، أنا حبيتك بجد، وكنت مستعدة أستحمل معاك ظلتك ووجعك، لكن عمر ما كنت أتخيل إنك تبيعني أول ما تلاقي أول ضغط حقيقي قدامك، وتبقى شريك في الظلم اللي أمك بتقوله عليا!»
قلت كلمتي دي وكنت مجهزة نفسي أمشي، لكن أحمد مسك دراعي بقوة وقال بانهيار:
— «مريم استني.. أرجكي ما تمشيش بالشكل ده! اسمعيني.. أنا مش هسيبك، والله ما هقدر أعيش من غيرك! اديني فرصة أفكر إزاي أحل الموضوع ده من غير ما أخرب بيتي التاني ومن غير ما أخسرك!»
بصيتله طويلًا، حسيت إنه شخص تاني غير الإنسان اللي كنت بحبه وبأمن لمستقبله. مابقاش عنده شخصية قدام أهله، وبقى بيلعب على الحبلين عشان يرضي الكل وفي الآخر بيظلمني أنا. سحبت دراعي من إيده بقوة، ومسحت دموعي بإيدي، وقلتله بجمود:
— «اللي بيبدأ بالتردد والخوف، بينتهي بالخسارة يا أحمد. وإنت اخترت الطريق اللي يريحهم.. أما أنا فمش هكون أبدًا الاختيار التاني في حياة حد، ولا هقبل أعيش مع إنسان مستني الوقت المناسب عشان يضحي بيا ببرود!»
قلت كده وسيبه ورايا واقف مذهول، ومش سامعة غير صوت حماتي وهي بتزعق، وصوت أحمد وهو بينادي اسمي بصوت عالي.. طلعت من الباب وجريت على السلم، وأنا مش حاسة برجلين، وطلعت الشارع وأنا بحس إن كل خطوة بتبعدني عنه بتوجعني، بس في نفس الوقت بتخليني أتنفس هوا نضيف بعيد عن الظلم والكلام اللي كان بيكتم نفسي.
روحت البيت وأنا منهارة تمامًا، وأمي حضنتني وفضلت أعيش في عياط متواصل حسيت فيه كأن جزء مني اتقطع. عدى يومين وأنا قاعدة في أوضتي قافلة على نفسي، لا بفتح موبايل ولا عايزة أسمع أي حاجة، وكل شوية ألاقي اتصالات ورسائل من أحمد ومن أصحابه بيحاولوا يكلموني، وهو بيقول في رسالة إنه رفض قعدة الجواز دي ووقف قدام أهله عشان خاطر يرجعلي، وإنه مستعد يسيب البيت لو لزم الأمر.
بس قلبي اللي اتكسر ما بقاش قادر يرجع زي الأول. بقيت قاعدة قدام الشباك وأنا حاسة إن اللي جاي صعب، وإني محتاجة أخد قرار نهائي يحفظ لي كرامتي، خصوصًا لما سمعت خبر من واحدة من جيرانا إن عيلة أحمد صممت على الموضوع وإن الضغوط بقت أكتر بكتير من إي مقاومة منه، وإنه اتحدد معاد تاني للقعدة العائلية اللي هتنهي كل حاجة رسميًا بيني وبينه.. وفي وسط الحيرة دي، لقيت الباب بيخبط، وأمي فتحت، ولقيت واحدة من قرايبهم واقفة برة وشكلها مقبوض، وبتقول لأمي كلام نزل عليا كالصاعقة وخلي الدنيا تلف بيا أكتر!

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى