روايات وقصص

عشر سنين حكايات رومانى مكرم 1

عشر سنين من الصبر والستر والوجع اللي بلعته لوحدي، اتهدوا في لحظة طلاق جافة، ورموني في بيت أهلي وأنا كلي جروح وكسرة ومرض بيهد حيل جسمي. وسط الليلة السودا دي، وأنا قاعدة على سرير المستشفى باخد أول جلسة كيماوي، والوجع بياكل في عظمي، الدكتور بص في التحاليل وابتسم بذهول وقال: “مبروك يا مدام.. إنتي حامل في أسبوعها السادس!”.

الكلمة نزلت على وداني زي الصاعقة، حسيت إن جدران الأوضة بتلف بيا. حامل؟! إزاي؟! في وسط كل العاصفة دي، ورغم إن الدكتور نفسه قال إن التحسن لسه في أوله، شاء رب العباد إنه يكتبلي معجزة فوق الأنقاض. بس الفرحة مكنتش خالصة، دي مزيج مرعب من الخوف والذهول والوجع؛ طفل بينبض جواه الحياة، وفي نفس الوقت جسم بيحارب سرطان شرس، وراجل باعني بأرخص سعر ومش حاسس بقيمتي.

طليقي وأهله مكنوش يعرفوا لسه. كنت عارفة إن الخبر ده لو وصلهم، الدنيا هتقلب ومش هتتهد وبس. بعد أيام من الحيرة والتعب، قررت أروح له بيت أهله، أو بمعنى أصح، أواجهه باللي ربنا كتبه. دخلت عليهم ووشي باهت من الكيماوي، وملامحي مكسورة بس طريقتي كانت ثابتة. بصيت له وقلت بصوت متهدج بس واضح: “جايز كنت فاكر إني انتهيت.. بس ربنا أراد يثبت لك إن الرزق بيده مش بإيدك. أنا حامل يا ابن عمي.. حامل في ابنك اللي كنت هتموت عليه!”.

الكلمة نزلت عليهم كأنها صاعقة رعد في وسط الصيف. أمه اتفتحت عيونها على آخرها، وهو بلع ريقه وبص لي بذهول تام مش مصدق ودانه. وفجأة، اتقلب الحال.. طليقي اللي من شهرين باعني بكلمتين بكل برود، جه جري نحوي وعينيه مليانة لمعة طمع وخوف وقلة حيلة، وقال بصوت مهزوز: “حامل بجد؟! يعني ربنا كرمنا أخيراً؟! طب.. طب اهدي، تعالي ندخل جوه.. إحنا لازم نرجع لبعض فوراً، عيب مراتي تتبهدل وهي شايلة ابني، ده أنا ما صدقت ربنا كرمنا!”.

بصيت له وبسمة سخرية وتوجع مرسومة على شفايفي الشاحبة. قلت له بصوت كله قهر: “دلوقتي بقيت مراتك وابنك غالي عليك؟! لما كنت بموت من المرض وبتبلعني الإهانة كنت فين؟! ولما بعتني بالرخيص عشان خايف ما أخلفش، نسيت كل سنين العشرة؟! جاي دلوقتي تفتكر الرجولة والمرأة وكرامتها لما لقيت حلمك اتحقق في بطني؟!”.

أهله حاولوا يتدخلوا ويداروا الموقف، أمه بقت تقول بصوت كله نفاق: “يا بنتي اعقلي، ده أبو ابنك، والواد محتاج أب، وبعدين إنتي في ظروف مرض وعاوزه سند، وهو هيشيلك في عيونه!”.

سكت ثواني أسترجع فيها كل دمعة نزلت مني، وكل كلمة جارحة قالتها الست دي في حقي عشر سنين، وكل طعنة تلقيتها من الراجل اللي حبيته وضحيت عشانه. بصيت في عيونهم بكل ثبات وقلت الكلمة اللي فرملت لسان الكل: “ابنك هيتولد وهيشيل اسمه، وشرعاً وقانوناً مش هحرمه من أبوه.. بس كأني أرجع لك، أو أقبل أكون ذلّ تاني على إيدك إنت وأهلك.. فده مستحيل، ولو السماء تلتقي بالأرض!”.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى