منوعات

حكايات اسما 1

ولأول مرة من يوم الحادث، سمعت ابني بيقول جملة طويلة من قلبه:

— أنا وحشتني ماما أوي!

مريم سكتت لحظة، وبعدها قالت:

— ربنا يرحمها يا حبيبي… أكيد كانت بتحبك جدًا.

ياسين هز راسه، والدموع بدأت تلمع في عينيه.

— كانت بتنام جنبي لما أخاف… وكانت تقرألي قرآن لحد ما أنام.

مريم مسحت دمعة نزلت على خده وقالت:

— ربنا يجعلها من أهل الجنة يا ياسين.

كنت قاعد قدام الشاشة، ودموعي نازلة من غير ما أحس.

الست دي قدرت في تلات أيام تفتح باب في قلب ابني، أنا نفسي معرفتش أفتحه طول سنة كاملة!

لكن اللي ماكنتش أعرفه وقتها…إن أغرب وأهم لحظة لسه ماجتش!

لأن الساعة 3:17 الفجر، صحيت على تنبيه جاي من كاميرا أوضة ياسين.

فتحت الشاشة، ولقيت مريم داخلة أوضته بهدوء، وبتقرب من سريره.

وبعد لحظات، شفتها بتقعد جنبه على السرير
قربت من الشاشة وعيناي معلقتان بتوتر بالغ، أراقب كل حركة. كانت مريم تقترب من سرير ياسين في ذلك الوقت المتأخر من الليل. رأيتها تقف لثوانٍ معدودة تتأمله وهو نائم، ثم تدنت لتجلس بجانبه على حافة السرير.
في تلك اللحظة، تحركت يدي بلا وعي نحو درج مكتبي، وتحديدًا نحو السلاح المركون هناك. عقل الباطن كان يصرخ محذراً: كيف لدخلة غريبة في منتصف الليل أن تكون بريئة؟ هل أرسلها أحد أعدائي لإنهاء ما بدأوه في يوم الحادث؟ هل هي صفقة انتقام جديدة تُحاك في الظلام؟
لكن ما حدث في الثانية التالية جمد دمي في عيوني وأوقف يدي تماماً عن التحرك.
رأيت ياسين يتقلب في فراشه فجأة، وعلامات الرعب تظهر على وجهه، وبدأ يصرخ بصوت خافت مخنوق ممتزج بالبكاء:
— لا! سيبوني! ماما… يا بابا الحلحوني!
كانت كابوساً مروعاً يعاوده من ليلة الحادث. في تلك اللحظة، لم تنتظر مريم تفكيراً ولا ترددًا. رأيتها تفرد ذراعيها بسرعة ودفء بالغ، وتضم ياسين إلى صدرها بقوة وحنان طاغٍ، وبدأت تربت على ظهره بانتظام، وتهمس بصوت هادئ متزن:
— شششش… أنا معاك يا بطل، اههدأ يا حبيبي، ده حلم وحشي وراح، أنا جنبك ومش هسيبك، أهدي يا ياسين، أهدي يا روحي.
ظل ياسين يرتجف بين أحضانها لعدة دقائق، وصوت بكائه يخفت شيئاً فشيئاً حتى استكان تماماً وعادت أنفاسه لتنتظم، ورأيته يدفن رأسه في كتفها كأنه وجد أخيراً الملاذ الآمن الذي يبحث عنه منذ أربعة عشر شهراً.
تراجعت يدي تماماً عن درج المكتب. شعرت بغصة خانقة في حلقي ودموع حارة تسيل على وجنتي بغزارة. تذكرت كم كنت غارقاً في الشك والارتياب، بينما هذه المرأة كانت تقدم لابني ما عجزت أموال الدنيا كلها عن شرائه: الأمان الطمأنينة اليقين بأنه لَيْسَ وحيداً.
في اليوم التالي، ومع أول ضوء للنهار، طلبت من عماد الشافعي، رئيس الأمن، أن يحضر لي ملف مريم الشخصي بالكامل. فتحت المجلد وبدأت أقرأ التفاصيل التي تجاوزتها في المرة الأولى. اسمها الحقيقي مريم عاصم، تخرجت من كلية الآداب قسم طفولة، وعملت لمدة خمس سنوات في مستشفى شهير للتأهيل النفسي لأطفال الحوادث والصدمات العصبية، ثم توقفت عن العمل لمدة سنتين كاملتين.
سألت نفسي: لماذا توقفت؟ وما السر خلف نظرة الحزن العميق في عينيها؟
قررت أن أواجهها بشكل مباشر. في الصباح، وبينما كان ياسين في جلسة علاج طبيعي قصيرة بغرفته، طلبت من مريم الحضور إلى مكتبي.
دخلت بهدوءها المعتاد، ووقفت أمام المكتب تنظر إليّ بثبات ودون أي خوف.
قلت لها بصوت مشوب بالجدية والتأثر:
— كنت مراقبكم إمبارح بالليل يا مريم… شفت كل حاجة على كاميرات المراقبة السرية.
لم تظهر عليها أي علامات ذعر أو توتر. اكتفت بأن رفعت حاجبيها وقالت بصوت هادئ:
— كنت متأكدة إن فيه كاميرات في البيت كله يا فندم، ومن ضمنها أوضة ياسين. الشغل في بيوت رجال الأعمال أمثالك بيفترض وجود ده، وعادي، أنا مكنتش بعمل حاجة غلط تستدعي الخوف.
أجبتها بنبرة حملت الكثير من الاحترام الذي بدأ يتولد بداخلي تجاهها:
— أنا مش بسأل عشان أحاسبك… أنا بسأل عشان أشكرك. ابني بقاله سنة كاملة مش بينام ليلة واحدة من غير مهدئات أو كوابيس، وإمبارح… نام في حضنك كأنه مع أمه الله يرحمها.
ظهر وميض ألم سريع في عينيها، وكأن كلماتي حركت شيئاً دفيناً في قاع نفسها، وقالت بصوت خافت:
— ياسين مش مريض يا سيف بيه… ياسين طفلت روحه قبل رجليه، وكل اللي محتاجه إن حد يشوفه هو، مش الكرسي اللي قاعد عليه.
سألتها بفضول شديد لم أستطع كبحه:
— وملف انقطاعك عن الشغل لمدة سنتين؟ إيه قصته يا مريم؟ ليه سبتي المستشفى؟
سكتت لبرهة، وانعكست على وجهها مسحة من الحزن الشديد، ثم نظرت إليّ وقالت ببطء:
— لأني مريت بنفس التجربة تقريبًا… فقدت ابني الوحيد في حادث مروري من سنتين، ومن يومها وأنا بقيت أعرف إيه معني إن طفل يفقد الأمان فجأة، وإيه معنى إن أب أو أم يحسوا بالعجز وهما شايفين قطعة منهم بتتألم قدام عينيهم وما يقدرش يعملولها حاجة.
نزلت الكلمات عليّ كالصاعقة. أدركت حينها لماذا كانت تفهمه بهذه الدقة، ولماذا لم تكن تخشى سلطتي ولا أموالي. لقد كانت تتعامل معه بقلب أم ثكلى تعرف تماماً جرح الطفولة المنكسرة.
مرت الأيام التالية وكأنها معجزة صامتة تحدث داخل الفيلا. ياسين بدأ يستجيب للعلاج الطبيعي بشكل لم يحدث من قبل. أصبح ينتظر مواعيد جلسات مريم بشغف، وارتسمت على وجهه ابتسامات حقيقية، بل وصار يسألها عن ألعابه القديمة ورغبته في الخروج إلى حديقة الفيلا لأول مرة منذ الحادث.
كنت أراقبهم كل يوم من شاشات المراقبة، وأشعر أن الحياة بدأت تدب تدريجياً في جدران الفيلا الباردة.
لكن الهدوء الذي عشنا فيه لم يكن سوى العاصفة التي تسبق الهدوء الحذر.
في أحد الأيام، وبينما كنت في اجتماع مهم بشركتي، تلقيت مكالمة هاتفية عاجلة من عماد الشافعي، وكان صوته يرتجف بشدة، وهو يصرخ عبر الهاتف:
— سيف بيه! الحقنا! الفيلا… الفيلا اتعرضت لاقتحام!
قפزت من مكاني كالمنسوع، وسألته بصوت يكاد يختفي:
— اقتحام إيه؟! ومين تجرأ يدخل الفيلا وفيها حراسة كاملة؟!
رد عماد بصوت مرعوب:
— مش عارف يا فندم! رجالة مسلحين ملثمين ظهروا من العدم، وضربوا الحراسة اللي بره، ودخلوا جوه القصر… وهدفهم الأساسي واضح يا سيف بيه!
سألته بجنون:
— هدفهم إيه؟! أنطق!
— هدفهم… أوضة ياسين ومريم!
شعرت أن الأرض تميد بي. كل المخاوف التي هربت منها طوال الشهور الماضية تجسدت أمامي في لحظة واحدة. العبوة الناسفة التي قتلت زوجتي قبل أربعة عشر شهراً لم تكن صدفة، واليوم… الواضح أنهم عادوا لإكمال المهمة والقضاء على ابني الوحيــــد!
ركبت سيارتي وطرت بأقصى سرعة نحو الفيلا، وعقلي يتخيل الأسوأ. هل أصاب ياسين مكروه؟ هل مريم بخير؟ ولماذا يستهدفون طفلاً في التاسعة من عمره شلل تام؟
وصلت إلى بوابات الفيلا الحديدية المكسورة، ورأيت سيارات الحراسة مهشمة، والدماء تسيل على مدخل القصر. ترجلت من السيارة كالبرق، وأخرجت سلاحي هذه المرة دون تردد، واقتحمت الباب الرئيسي وأنا أصرخ بأعلى صوتي:
— ياسين! مريم!
اتجهت مباشرة نحو الطابق العلوي حيث غرفة ياسين، وفتحت الباب بقوة ودفعته أمامي، لأجد منظراً جعل الدم يتجمد في عروقي بشكل كامل.
كانت الغرفة مهشمة، والزجاج مكسوراً في كل مكان، وياسين جالس على كرسيه المتحرك يرتجف من الرعب، بينما يقف أمامه شخصان ملثمان يحملان أسلحة آلية، ومريم تقف أمامهما مباشرة كدرع بشري تدافع عنه بجسدها، وقد نزفت دماء خفيفة من كتفها إثر ضربة تلقتها!
نظر إليّ أحد الملثمين بضحكة ساخرة، وقال بصوت خشن ومقنع:
— أهلاً يا سيف بيه… جيت في وقتك تماماً، عشان تشهد على النهاية بنفسك!

9 من 9التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى