روايات وقصص

حكايات انجى الخطيب

“إيه اللي حصل هنا؟”

لفيت ببطء.

وكان عز الدين المغربي واقف ورايا مباشرة.

ولأول مرة من سبع شهور…

الراجل اللي كل اللي حواليه بيخافوا منه بصّ لـ آدم راضي نظرة مختلفة.

نظرة كأنه…

أخيرًا شافني.

مش الميكانيكي الهادي.

مش الشاب اللي ملوش أهل ولا ماضي.

لأ.

كأنه لأول مرة حس إن ورا الوش ده…

فيه سر كبير.

وساعتها، لأول مرة من يوم ما هربت…

خفت إن هويتي الحقيقية تكون على وشك إنها تنكشف.
#انجي_الخطيب
سحب سيجارته ببطء، والدخان الطالع منها غطى على ملامح وشه القاسية لثواني، قبل ما يرميها على الأرض ويدوس عليها بجزمته الجلد. المكان حوالينا كان ساكت سكون يرعب، حتى صوت الكوريك الحديد اللي كان شغال هناك وقف مرة واحدة.
قرب مني خطوتين، وعينيه السمرا زي الليل كانت بتدرس كل إنش في وشي. النظرة مكانتش مجرد تفحص ميكانيكي شاطر، كانت نظرة راجل متعود يقرا الناس زي الكتب المفتوحة.
“اسمك إيه؟”
صوته كان واطي، بس كان فيه نبرة تقيلة تخلي أي حد يترعش. بلعت ريقي بصعوبة، وحاولت بكل قوة عندي أطلع الصوت الخشن اللي اتدربت عليه سبع شهور.
“آدم… آدم راضي يا باشا.”
عز الدين ما ترمش له عين. حط إيده في جيب بنطلونه، ومال براسه ناحية الموتور المفتوح، وبعدين رجع بصلي تاني، والمح لمح البصر حاجة غريبة في عينيه… كأنه بيشوف خطوط وشي المقصوصة بعناية، أو النعومة اللي بحاول أخبيها تحت هباب الزيت والسناج اللي حطاه على خدي.
“إنت شغال هنا بقالك قد إيه يا آدم؟”
“سبع شهور…”
“وسبع شهور مسمعتش صوتك فيهم مرة واحدة؟ ولا حتى بتسلم على العمال وإنت داخل؟”
تامر رئيس الصنايعية اتدخل بصوت بترعش: “هو هادي يا عز بيك.. ولد في حاله والله بس أيده تتلف بـ…”
عز الدين رفع إيده الصغيرة بس، وتامر سكت في ساعتها وكأن لسانه اتقطع.
خطوة كمان لقدام. المساحة بيني وبينه بقت أقل من متر. ريحة برفانه الفخم الغالي اختلطت بريحة الشحم والبنزين في الورشة. في اللحظة دي، إيدي المبلولة بالزيت كانت مسكة الخرطوم المكسور، وصوابعي كانت بتترعش من كتر الضغط. قلبي كان بيلطش في قفصي الصدري بصوت حسيت إنه مسموع لكل اللي واقفين. الرباط اللي لافاه على صدري حسيت بيه بيخنقني أكتر، والنفس بقى طالع بالعافية.
“الخرطوم ده محدش يتوقعه…” عز الدين قالها وهو بيمد إيده وياخد الخرطوم من إيدي. أطراف صوابعه لمست إيدي بالغلط. كانت لمسة سريعة، بس شفت حواجبه اتعقدت خفيف… بشرتي كانت أنعم بكثير من بشرة أي صنايعي شال حديد طول حياته.
رفع الخرطوم وعاينه، وبعدين بصلي مباشرة في عيني: “إنت مش ميكانيكي يا آدم… الميكانيكي بيعرف العيب بالخبرة، إنت عرفته كأنك حافظ الموتور ده حتة حتة.. أو كأنك متعلم هيدروليك وفيرمات في مكان نظيف.”
الدم هرب من وشي تماماً. الأفكار كانت بتجري في دماغي زي المجنونة. هل عرف؟ هل أبويا أو ماجد الشناوي وصلوا له؟ هل نفوذ ماجد جابه لحد هنا؟ عز الدين المغربي يفرق إيه عنهم؟ لو عرف إني بنت وهربانة، هيسلمني لأبويا بصفقة جديدة ولا هيخلص عليا؟
“أنا… أنا أبويا كان عنده عربية قديمة زي دي يا باشا، وكنت بفكها معاه وأنا صغير.”
الكذبة طلعت من بين سناني بصعوبة. عز الدين حط الخرطوم على رف القماش القريب، وقرب وش أكتر، لدرجة إن عيونه بقت قصاد عيني بالظبط.
“أبوك؟” همس بيها بتهكم خفيف، “وأبوك ده ما علمكش إن العيون ما بتكذبش؟ إنت خايف يا آدم… خايف من حاجة أكبر بكثير من الخرطوم ده.”
وفجأة، قبل ما ألحق أرد أو أتحرك خطوة لورا، البوابة الحديد الكبيرة بتاعة الورشة اترزعت بعنف.
صوت كوتشات عربيات بتفرمل بره بصوت صريخ، ودخل تلات رجال أطوال، لابسين بدال سودا، وفي إيد كل واحد فيهم جهاز لاسلكي. واحد منهم كشف عن وشه وهو بيدور بعينيه في الورشة، ولما عينه جت عليا… قلبي وقف تماماً.
كان حسام… ذراع ماجد الشناوي اليمين. الراجل اللي كان واقف على باب الفيلا ليلة ما هربت.
حسام بص في الورشة وبصوت عالي ومستفز قال: “المنطقة دي تبعنا يا مغربي… وبندور على حاجة يخص أستاذ ماجد الشناوي، ومبلغين إنها استخبت في الورش هنا.”
تامر والصنايعية اتسمروا مكانهم. أنا جسمي كله اتجمد، وحسيت بالدنيا بتلف بيا. لو حسام قرب بس خطوة واحدة وبص في وشي بتركيز… السبع شهور دول كلهم هينتهوا في ثانية.
لكن عز الدين ما أتحركش من مكانه. فضلت عينيه عليا لثواني أخيرية… وكأنه لمح الرعب الحقيقي اللي اتعرى في عيني، وكأنه أدرك في اللحظة دي بالذات إن السر اللي أنا مخبياه بره الورشة دي، جه لحد عنده.
لف عز الدين ببطء شديد ناحية حسام ورجالته، وحط إيديه في جيوبه، وصوته نزل لدرجة من البرود المرعب اللي تجمد الدم في العروق:
“الشناوي نسى يربط كلابه قبل ما يبعتهم جيزتي… ولا فاكر إن اسم عز الدين المغربي يترمي في وسط الكلام كده؟”
ساد الورشة صمت قاتل، صمت تقيل لدرجة إن صوت تنفس الصنايعية بقى مسموع. حسام خطى خطوة لقدام، وعينيه بتتنقل بوقاحة بين وشوش الميكانيكية، لكن نبرة عز الدين المغربي خلت رجالة ماجد الشناوي يقفوا في مكانهم كأنهم اتخشبوا.
حسام حاول يحافظ على ثباته، بلع ريقه وقال بنبرة بيهدي بيها الجو بس فيها تحدي خفي: “يا عز بيك… الأستاذ ماجد ميبعتش كلاب لحد، إحنا جاين نسأل بكل أدب. فيه حاجة ضايعة منه بقالها سبع شهور، وعرفنا إنها في النواحي دي، وبنعدي على كل الورش والمخازن…”
عز الدين ما تحركش شبر واحد. وقف بصلابة جبل، ووشه خالي من أي تعبير، لكن عينيه كانت بتلمع بشرر مرعب.
“الورشة دي مش حارة اللي خلفوك علشان تدخلها من غير ما تخبط وتستأذن،” عز الدين قالها ببرود أشد من التلج، وصوته كان بيتردد بين الحيطان الصاج. “والشناوي بتاعك يعلمك الأدب قبل ما يبعتك هنا. رجالتك تتفضل بره… فوراً.”
حسام بص لعز الدين، وبعدين عينه زاشت ورا ظهر عز الدين… ناحيتي أنا.
في اللحظة دي، كنت واقفة مستخبية جزئياً ورا كتف عز الدين العريض. حاولت أطاطي راسي وأمسك مفتاح صليبة ثقيل في إيدي كأني مشغول بالزيت والشحم، بس حسام دقّق النظر. حسيت بتركيزه بيزيد، كأنه بيحاول يربط بين الملامح، بين البنت اللي اختفت من سبع شهور وبين الميكانيكي الرفيع اللي واقف قدامه والأفرول واسع عليه بشكل ملفت.
قلبي كان بيلطش زي جرس الإنذار. صوابعي على المفتاح الحديد عرقانة لدرجة إنه بغوايش هيقع من إيدي.
حسام رفع إيده وشاور عليا وقال بنبرة ملغومة شك: “مين الشاب اللي واقف وراك ده؟”
قبل ما حسام يكمل خطوته ناحيتي، عز الدين تحرك في أقل من ثانية. خطى خطوة واحدة كبيرة، قطعت الرؤية تماماً بيني وبين حسام، وبقى جسمه كله عازل بيني وبينهم.
عز الدين رفع إيده ومسك حسام من ياقت بدلته بضغطة واحدة بطيئة بس مرعبة، وقربه منه لدرجة إن حسام اضطر يبص فوق.
“أنا قلت إيه؟” عز الدين همس في وشه. “قلت الورشة دي يدخلها اللي أسمحله بس. وآدم ده شغال عندي، يعني خصمي وبتاعي. لو فتحت بقك تاني أو بصيت لواحد من رجالتي بالنظرة دي… مش هترجع لماجد الشناوي على رجليك.”
الخوف ظهر واضح في عينين حسام. هو عارف مين عز الدين المغربي، وعارف إن نفوذ ماجد الشناوي يقف تماماً عند حدود منطقة الجيزة لما ييجي الاسم ده بالذات.
حسام رفع إيديه لفوق بإشارة تسليم، وزق نفسه ببطء لورا لما عز الدين ساب ياقت بدلته.
“تمام يا عز بيك… وصل المكتوب،” حسام قالها وهو بيمسح ياقت بدلته، وبصلي نظرة أخيرية كلها شك وتوعد قبل ما يلف بضهره. “هنبلغ الأستاذ ماجد… بس الموضة دي مش هتنتهي على خير.”
خرج حسام ورجالته الثلاثة، وصوت كوتشات عربياتهم وهي بتسحب في الشارع بره كان زي صفارة إنذار أعلنت إن الخطر أخد نفس بس متمحاش.
في الورشة، محدش اتنفس. تامر والصنايعية فضلو واقفين مكانهم كأنهم تماثيل.
عز الدين يادوب شاور بإيده من غير ما يلف: “كل واحد على شغله.”
في ثواني، كل الصنايعية جريوا على العربيات، وصوت الشغل رجع يعلى غصب عنهم عشان يداروا على التوتر اللي في الجو.
عز الدين لف ببطء. بصلّي.
المرة دي النظرة مكانتش مجرد شك… المرة دي كان فيها يقين. عز الدين شاف الرعب اللي كان في عيني لما حسام دخل، وشاف حسام وهو بيركز معايا. الراجل الذكي اللي زي عز الدين مش محتاج أكتر من اللقطة دي عشان يربط كل خيوط اللعبة.
قرب مني بخطوات هادية، وقف قصادي مباشرة، ومسك كاب الورشة القديم اللي كنت لابساه ومغطية بيه باقي شعري المقصوص، ورفعه ببطء شديد من على راسي.
الشعر المقصوص بعشوائية نزل على جبهتي، ومع الحركة دي، المسافة القريبة قوي بينهم خلت النظرة تختلف تماماً.
عز الدين بص لعيوني، وبعدين نزل بعينيه للرباط المكتوم تحت قميص الفلانيل الواسع، ورجع بص في عيني تاني.
“آدم…” قال الاسم بتهكم هادي، وبعدين نزل صوته لدرجة محدش يسمعها غيري: “… أو أيا كان اسمك الحقيقي إيه.”
قلبي اتخلع من مكانه.
حط كف إيده التقيل على كتفي، وضغط عليه ضغطة خفيفة مش للتخويف، لكن عشان يفهمني إن المفر انتهى.
“تعال معايا المكتب بره… فوراً.”

رجليا كانت بتجر على الأسمنت كأنها متكتفة بسلاسل حديد. خطوة ورا خطوة، مشيت وراه لحد باب المكتب الخشب القديم اللي في زنق الورشة. عز الدين زق الباب ودخل، وأنا دخلت وراه، وصوت الباب وهو بيتفل ورايا كان زي صوت قفل زنزانة فاتحتها مفيش منها خروج.
المكتب كان دافي، ريحة الخشب العتيق والجلود الفخمة مسيطرة عليه، وعلى الترابيزة الكبيرة كان فيه كاس شاي بيرد وأوراق متستفة بعناية. عز الدين مشي لحد ما وقّف ورا مكتبه، بس مقتعدش. لف وشّه ليا، وسند إيديه الاثنين على طرف الترابيزة، وعينيه المثبتة عليا كانت بتخترقني كأنه بيشوف كل حقيقة حاولت أدفنها من سبع شهور.
“اقفلي الباب والمفتاح.” صوته كان واطي، بس خالي تماماً من النبرة اللي اتكلم بيها مع حسام. مكانش فيه غضب، كان فيه هدوء يرعب.
إيدي المرتعشة مسكت المفتاح ولفيته. الصوت الصغير ده خلّى جسمي كله يترعش.
“دلوقتي…” عز الدين قرب خطوتين، ونظرته نزلت من وشي لرباط صدري المخفي تحت القميص، ورجعت تاني لعيوني. “من غير كذب، ومن غير تمثيلية آدم راضي اللي شبعت منها… إنتي مين؟”
بلعت ريقي بصعوبة، حسيت حلقي ناشف زي الصحراء. حاولت أفك الأفرول المليان شحم، صوابعي كانت بتتلعثم في الأزرار. بصيت للأرض وقولت بنبرة خافتة، والمرة دي سبت صوتي الطبيعي يطلع… الصوت النظيف الناعم اللي مسمعتوش من سبع شهور:
“ملك… ملك عبدالسلام.”
عز الدين ما اندهش، بس حواجبُه اتعقدت خفيف، وكأنه بيكمل باقي الصورة في دماغه. “عبدالسلام… بتاع مجموعات النقل والتخليص الجمركي؟”
رهت براسي ببطء وأنا مش قادرة أرفع عيني فيه: “أيوه.”
“وماجد الشناوي…” عز الدين كمل وهو بيميل برأسه، “كان المفروض تجوزيه؟”
“كان حيجوزني غصب عني… صفقة بين أبويا وبينه. هربت ليلة الفرح، قصيت شعري، ولبست هدوم أخويا الله يرحمه، وجيت هنا… عشان أختفي. عشان مفيش حد يدور على بنت في ورشة ميكانيكا للجيزة.”
رفع عز الدين إيده ومسح على دقنه الهادية، وعينيه كانت بتدرس كل كلمة بنطقها. “سبع شهور عايشة وسط الرجالة، بتاكلي وتنامي وتشتغلي في الشحم والتراب… عشان تهربي من الشناوي؟”
“عشان أهرب من سجن أفظع من ده ألف مرة،” رفعت عيني وبصيت له للقطة، والدموع كانت محبوسة في عينيا بتلمع. “الشناوي مش راجل اتجوزه يا عز بيك… الشناوي كان هيقتل كل حاجة فيا. أنا فضّلت أندفن هنا كآدم، ولا إن أكون لعبة في إيده.”
المكتب ساد فيه سكوت تقيل. عز الدين فضّل باصصلي لثواني طويلة، كأنه بيوزن كلامي على ميزان خاص بيه. مشي ببطء ناحية الشباك الصغير اللي بيطل على الورشة بره، وبص للصنايعية اللي شغالين.
“الشناوي مش عبيط يا ملك،” عز الدين قال اسمها لأول مرة، وصوت الاسم في المكتب كان غريب، كأنه كشف السر تماماً. “حسام مش هيسكت. الشك اللي في عينيه النهاردة هيخليه يقلب الدنيا بره الورشة، وممكن يرجع برجالة أكتر أو يبلغ ماجد بنفسه.”
قلبي اتخلع، وبدون ما أحس قسيت على إيدي وقولت بلهفة: “أنا همشي! والله همشي دلوقتي حالا مش هسببلك أي مشاكل مع الشناوي… أنا هاخد حاجتي وـ…”
“تقعدي مكانك.”
الكلمة طلعت منه زي السيف. حسيت إني اتسمرت في أرضي.
لف عز الدين وبصلي بنظرة صارمة، بس المرة دي مكانتش حادة، كان فيها حاجة تانية… حاجة شبه الحماية.
“حد يخرج من ورشة المغربي وهو مستهدف بالطريقة دي، يبقى أنا بسلمه لإيديهم بنفسي،” عز الدين قالها وهو بيمشي ناحية الخزنة الحديد المستخبية ورا اللوحة على الحيطة. “وأنا محدش بيملي عليا أسلم مين ولا أحمي مين. الشناوي يستجرى يجرب حظه معايا… بس إنتي من اللحظة دي مش آدم بتاع الورشة.”
بصيتله بعدم فهم، ودمعة واحدة نزلت من عيني غصب عني مسحتها بسرعة بظهر إيدي الملوثة بباب الزيت.
عز الدين فتح الخزنة وطلع منها مفتاح صغير، وبصلي بجدية شديدة: “من النهاردة هتطلعي تعيشي في الشقة اللي فوق الورشة. محدش من العمال هيشوفك تاني بأفرول الميكانيكا، وحسام لو رجع… هيلبس التهمة اللي هيجيبها لنفسه.”
خطيت خطوة لقدام وقولت بصوت بترعش: “ليه؟ ليه تعمل معايا كده وإنت ما تعرفنيش؟”
عز الدين قرب مني، وقدم المفتاح لإيدي. لما صوابعه لمست صوابعي، كانت لمسته دافية وثابتة، وحسيت لأول مرة من سبع شهور إن فيه حيطة ساندة ضهري.
“لأن الراجل اللي يمد إيده على واحدة غصب عنها أو يفتكر إن نفوذه يخليه يملك بني آدمة… يلزمك تعرفي إن فيه في الجيزة رجالة أجدع منه بكتير.”

سحبت إيدي ببطء والمفتاح في قبضتي، كان دافي من مسكته. نظرتي كانت متثبتة على المفتاح النحاس الصغير، وبعدين رفعتها لوشه. عز الدين المغربي مكانش مجرد راجل بيحمي حد في ضائقة، كان فيه في عينيه هدوء مريب… هدوء الراجل اللي دخل حرب وعارف إنه هيكسبها قبل ما تبدأ أساسًا.
“الشنطة بتاعتك فين؟” سأل وهو بيمشي ناحية باب المكتب.
“في الأوضة اللي ورا المخزن… الشنطة الصغيرة.” صوتي كان لسه بيطلع مبحوح، ناعم زي ما نسيت إنه كان.
عز الدين ما لفش، بس هز راسه. “هتطلعي من الباب الخلفي للمكتب، فيه سلم حديد طالع لـ الشقة فوق. الميكانيكية مش هيشوفوكي. تامر هو الوحيد اللي هيفهم إن آدم مشي، وهجيب لك حاجتك لحد عندك.”
“وعز الدين بك…” ناديت عليه قبل ما يفتح الباب.
وقف وإيده على المقبض، ولَف نص لفة.
“حسام مش عبيط… وهيرجع لماجد. ماجد الشناوي نفوذه مش بس في الجيزة أو التجمع، ده عنده ناس في—”
قاطعني بابتسامة صغيرة، دافية بس مليانة ثقة تخوف. “ماجد الشناوي بيلعب في الطين يا ملك… وأنا اللي بيبني المباني اللي هو بيمشي تحتها. الشناوي لو فكر بس يرمي طوبة ناحية الورشة دي، أنا ههدم عليه كل المخازن والشركات اللي حاطط إيده عليها في السوق. العبي غيرها… واطلعي فوق.”
فتح الباب وخرج، وسابه موارب.
مشيت بخطوات مسروقة ناحية الباب الخلفي. السلم الحديد كان ضيق ونازل منه ريحة الصدأ والرطوبة. طلعت درجة درجة، وجسمي كله كان بيترعش من الفكرة: بعد سبع شهور من نومة الأرض في زنقة المخزن، وربط صدري اللي كان بيخنق نفسي كل ليلة، وأفرول الميكانيكا المليان شحم… أنا رايحة مكان أقدر أتنفس فيه كـ “ملك”.
فتحت باب الشقة فوق بالمفتاح.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى