روايات وقصص

حكايات انجى الخطيب

المكان كان واسع، حيطانها خشب دافي، وفيه شبابيك كبيرة بتبل على الشارع الوراني البعيد عن الورشة. كانت نظيفة كأن فيه حد بيعديها بانتظام، وفيها سرير كبير، وكنبة جلد، وشباك بيبص على النيل من بعيد.
قعدت على طرف السرير، وحطيت إيدي على وشي. لأول مرة من سبع شهور، بكيت. دموع نزلت حامية، مسحت معها هباب الزيت والسناج اللي كان على خدي. بكيت على ملك اللي ضاعت، وعلى السبع شهور اللي عشتهم كخيال راجل، وعلى الخوف اللي جالي مع دخول حسام.
بعد نص ساعة، خبطتين هاديين على الباب.
فتحت، كان عز الدين واقف، ماسك شنطتي الصغيرة في إيد، وفي الإيد التانية كرتونة مقفولة.
دخل وحط الحاجة على الترابيزة. “دي شنطتك… والكرتونة دي فيها هدوم نظيفة وأكل ومية. الأسبوع ده مش هتخرجي من الشقة دي خالص، الشباك المقابل للشارع يفضل مقفول.”
بصيت للكرتونة وبعدين بصيت له: “إنت بتخاطر بورشة كاملة وباسمك علشان واحدة ما تعرفهاش.”
عز الدين قرب مني، ووقف قصادي، عيونه كانت بتفحص وشي المغسول من الشحم لأول مرة. ملامحي الحقيقية كانت باينة تحت النور الأبيض المباشر.
“أنا ما بحميش واحدة ما اعرفهاش…” قالها بصوت هادي كأنه بيعترف بالسر لنفسه قبل ما يقولهولي. “أنا من تالت شهر لإنت جيتي فيه الورشة، وأنا عارف إن آدم راضي وراه حكاية مش مضبوطة. المشية، المسكة، الصوت اللي بتحاولي تخشنيه… الميكانيكي الشاطر بيعرف الخامة من لفتها يا ملك.”
قلبي اتخلع: “كنت عارف؟!”

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى