
“كنت شاكك… والنهاردة لما حسام دخل، وعينيكي اتملت بالرعب ده، التأكيد جه.” ابتسم بتهكم خفيف وهو بيمشي ناحية الباب. “بس الصراحة؟ ما توقعتش إنك تكوني ملك عبدالسلام اللي الشناوي قالب مصر عليها بقاله سبع شهور ومطلع شائعة إنها سافرت بره.”
وقف عند الباب ولَفلي: “ارتاحي… بكرة الشناوي بنفسه هييجي الورشة، وأنا حابب أستقبله جداً.”
الكلمة الأخيرة نزلت عليا زي الصاعقة. “ماجد الشناوي جاي هنا؟”
الدم اتجمد في عروقي، وحسيت الشقة بتلف بيا. مسكت في طرف الترابيزة عشان ما أقعش. الشناوي… الراجل اللي هربت منه ومن نفوذه ومن اللمسة اللي كانت بتسيب أثر على جسمي زي النار، هيبتعد عني بضع خطوات بس؟ بيني وبينه سقف خشب وسلالم حديد؟
عز الدين لاحظ رعشة إيدي. وقف مكان عنده على الباب، وعينيه المثبتة عليا كانت هادية بثبات يدوّخ.
“ماجد مش جاي عشانك يا ملك،” عز الدين قالها ببرود أشد من الثلج. “ماجد جاي عشان حسام رجع له وقال له إن عز الدين المغربي حط إيده في صدره وطرده من الورشة. والشناوي نفوذه مبني على الهيبة… لو سكت على اللي حصل النهاردة، كبره قدام رجالته هيتكسر.”
خطيت خطوة ناحيته، وصوتي كان بيترعش من كتر الخوف: “إنت مش فاهم… ماجد لو حس بس بنسبة واحد في المية إن أنا فوق، مش حيهمه لا ورشة ولا جيزة، هيقلب الدنيا وهيدخل برجالته ومش هيفرق معاه حد!”
عز الدين حط إيده في جيب بنطلونه، وقرب مني خطوتين ببطء. النظرة اللي في عينيه مكانتش نظرة راجل خايف، كانت نظرة صياد مستني الفريسة تدخل المصيدة برجليها.
“يبص… ويحاول،” همس عز الدين وصوته فيه نبرة تقيلة تخلي الشباك يتزحزح. “ماجد الشناوي فاكر إن الفلوس والنفوذ تخلي أي حد يوطي راسه. بس هو نسي إن فيه فرق بين الراجل اللي بيشتري الناس بفلوسه، والراجل اللي الناس بتمشي وراه بعزها. الورشة دي تحتها أربعين راجل بياكلوا عيش من خيري، والمنطقة دي كلها من أولها لآخرها ما بتتنفسش غير بإذني. الشناوي لو دخل بقلة أدبه… مش هيخرج منها غير وهو مكسور.”
بصيت له وأنا مش قادرة أستوعب. السبع شهور اللي عشتهم في الرعب، الليل اللي كنت ببتديه بالبكاء وأنا بربط صدري بالرباط الضاغط عشان ميبانش، والخوف من كل عربية تقف قدام الورشة… كل ده كان بيتهز قدام الثقة المرعبة اللي بيتكلم بيها عز الدين.
“ليه؟” سألته تاني، والدموع جمعت في عيني. “ليه تد More دخل نفسك في حرب مش حربك؟ عشان كبرياء؟ عشان حسام دخل الورشة من غير ما يستأذن؟”
عز الدين بصلّي لثواني طويلة. عينيه نزلت على وشي المغسول، شعري المقصوص بعشوائية، والإرهاق اللي كان باين في كل خط على جبهتي. قرب أكتر، لدرجة إني حسيت بدفا أنفاسه.
“عشان السبع شهور اللي استحملتيهم يا ملك…” قالها بنبرة واطية جدًا، نبرة غريبة خلت قلبي يطرق بين أضلعي بشدة. “عشان البنت اللي تقص شعرها وتعيش في هباب الزيت وترقد على الأسمنت عشان تشتري حريتها وترفض تكون مجرد صفقة… ما ينفعش تتساب لوحدها لما الخطر يوصل لحد بابها.”
سكت لثانية، وبعدين أخد نفس هادي وكمل وهو بيلف ناحية الباب: “نامي ورتاحي. الباب ده مقفول بالمفتاح من جوه. وبكرة الضهر… لما تسمعي صوت عربيات ماجد الشناوي بره، ما تبصيش حتى من الشباك. سيبيلي اللعبة دي… وأنا هوريكي الشناوي ده حجمه الحقيقي إيه.”
خرج وساب الباب يتفل وراه ببطء.
قفلت الباب بالمفتاح، وضهرت عليه وأنا بنزل للأرض ببطء. حطيت إيدي على صدري اللي لأول مرة من سبع شهور بقى يتنفس بحرية من غير رباط ضاغط. الشقة كانت ساكتة، بس الشارع تحت بدأ يتملي بصوت خطوات ورجالة بتتحرك… رجالة عز الدين اللي بدأوا يقفوا على كل مدخل ومخرج للمنطقة.
الليلة دي ما عرفتش أنام.
فضل عينيا مفتوحة على السقف، وكل دقيقة بتعدي كانت بتقربني من الضهر. من اللحظة اللي هتقف فيها العربيات السودا قدام الورشة… ومن المواجهة اللي مش هتحدد بس مصيري، لكن هتحدد مصير ملك عبدالسلام للأبد.
الساعة كانت واحدة الضهر لما الصوت بدأ.
مش صوت الورشة العادي بتاع الشاكوش والمواتير، لأ… صوت كوتشات عربيات كتير بتفرمل مع بعض في الشارع الشبه ضيق، diikuti بـ صوت إغلاق أبواب عربيات بترزع بعنف.
تكتكة السلاح والخطوات التقيلة كانت مسموعة من فوق، كأن الأرضية الخشب تحت رجليا بتهتز.
مقدرتش أقاوم. مشيت على أطراف صوابعي ناحية الشباك المتغطي بستارة تقيلة، ووربت منها مليمتر واحد بس.
كان فيه حوالي خمس عربيات دفع رباعي سودا واقفين قافلين الشارع. طلع منهم يجي خمسة وعشرين راجل بالبدل السودا، وعلى رأسهم حسام… وجنبه الراجل اللي كنت بشوفه في كوابيسي طول السبع شهور اللي فاتوا.
ماجد الشناوي.
كان لابس بدلة كحلي فخمة، بيمشي ببطء وتكبر، وبيدخن سيجار ببرود، لكن ملامح وشه كانت مشدودة بشر.
وفجأة… من قلب الورشة، خرج عز الدين المغربي.
مكانش لابس بدلة، كان لابس قميص أسود عادي مشمر أكمامه، وإيديه في جيوبه، وبيمشي بمنتهى الهدوء. ومن وراه، خرجوا أكتر من تلاتين راجل من صنايعية وشباب المنطقه، كل واحد فيهم ماسك في إيده حاجة… مفاتيح إنجليزي ثقيلة، جلاخات، وسلاسل حديد. وفي أقال من ثانية، الشارع كله اتملى بأهل المنطقة اللي وقفوا ورا عز الدين كأنهم سد حديد.
ماجد الشناوي وقف على بُعد خطوات، ونزل السيجار من بؤه، وقال بصوت عالي ومستفز:
“منور يا مغربي… الشغل ماشي كويس؟ ولا كبرت خلاص وبقيت تخبي الشغالين بتوعك عننا؟”
عز الدين ما اتحركش من مكانه، ولا نبرة صوته اتغيرت. بص لماجد من فوق لتحت ونطق ببرود يرعب:
“الشناوي بنفسه في جيزتي؟ خير… جايب كلابك دول معاك ليه؟ ناوي تتغدى عندنا ولا جاي تدور على حاجة مش بتاعتك؟”
وش ماجد احمر من الإهانة، وخطى خطوة لقدام وهو بيشاور بإيده بعصبية:
“بلا لف ولدوران يا عز! الراجل بتاعك اللي اسمه آدم… حسام شاف وشه كويس بيلف في الورشة بـ قميص واسع وشعر مقصوص، والملامح مش غريبة عليه. البنت اللي هربانة مني بقالها سبع شهور موجودة هنا… سلمها بحدانا بدل ما نقلب الشارع ده عاليها واطيها.”
أنا فوق كنت ماسكة الستارة وبترعش، نفسي ضاق، وحسيت إن كل حاجة انتهت خلاص.
لكن عز الدين ضحك.
ضحكة واطية، تهكمية، هزت المكان كله.
قرب من ماجد خطوة واحدة، وصوته نزل لدرجة خلت الشارع كله يسكت تماماً:
“تقلب الشارع؟ إنت فاكر نفسك واقف في التجمع يا شناوي؟ الورشة دي، والشارع ده، والمنطقة دي كلها… بكلمة مني مفيش عربية واحدة من دول هترجع بيك حية. أما بالنسبة للبنت…”
عز الدين سكت ثانية، وبص لـ عينين ماجد مباشرة وبكلام حاد زي السيف:
“… فـ لو فرضنا إنها هنا، إنت فاكر إن ملك عبدالسلام ممكن تبص لواحد زيّك بعد ما شافتك على حقيقتك؟ البنت هربت منك ومن أبوها لأنكم بعتوها واشتريتوها كأنها بضاعة… وفي عرف الرجالة، اللي تسيبك وتهرب منك وتفضل تعيش في الشحم والتراب على إنها تعيش في عزّك… تبقى كرهتك.”
ماجد أيده اترعشت من الغضب، ورجالته مدوا إيديهم تحت البدل يجيبوا السلاح، لكن في نفس اللحظة… صوت أجزاء سلاح بتتسطر طلع من الشبابيك والأدوار العالية في البيوت اللي حوالين الورشة. شباب المنطقة كانوا واقفين على الأسطح ومعاهم سلاح حي وموجهين على رجالة الشناوي.
حسام ذراع ماجد اليمين اتمسخ وشه، وهمس في أذن ماجد بصوت مرعوب: “يا باشا ننسحب… المكان هنا لغم.”
ماجد بص حواليه وشاف المحاصرة الشديدة، وبعدين بص لعز الدين بكره مفيش بعده، وقال وهو بيصر على أسنانه:
“مش هنساهالك يا مغربي… والحساب بيننا يطول.”
عز الدين ابتسم ببرود، وقال وهو بيلف ضهره بلامبالاة:
“سلملي على أبوها… وقوله البضاعة اللي رميتوها، بقت في حماية المغربي.”
ركب ماجد ورجالته العربيات، وأخدوا يو-تيرن وغادروا الشارع بسرعة جنونية وكأنهم بيهربوا من جحيم.
أنا فوق نزلت على الأرض وسندت ضهري على الحيطة وأنا بأخد نفسي بصعوبة… الدموع كانت نازلة من عيني، بس المرة دي مكانتش دموع خوف. كانت دموع راحة.
بعد عشر دقايق، سمعت صوت خطوات تقيلة طالعة على السلم الحديد.
خبطتين هاديين على الباب.
فتحت… كان عز الدين واقف، شعره مشكوك خفيف من الهواء، وعينيه السمرا بصالي بهدوء.
“مش قولتلك ما تبصيش من الشباك؟” قالها بابتسامة خفيفة.
بصيت له بصوت مخنوق بالدموع: “إنت… إنت مشيتهم بجد؟”
عز الدين دخل الشقة وقفل الباب وراه ببطء، وقرب مني لحد ما بقى واقف قصادي بالظبط. مسك كف إيدي المرتعش بين إيديه الدافية، وقال بصوت واطي ومتقاطع:
“الشناوي انتهى يا ملك… مش بس من الشارع، الشركات والمخازن بتاعته ورقها كله تحت إيدي من الصبح وبكرة الصبح النيابة العامة هتفتح ملفاته. مش هتقصي شعرك تاني، ولا هتلبسي أفرول واسع، ولا هتعيشي باسم راجل مش موجود.”
دمعة نزلت من عيني، وعز الدين رفّع إيده وبصوابعه النظيفة مسحها ببطء شديد عن خدي.
“دلوقتي…” همس وهو بيبص في عيني بنظرة جديدة تماماً، “ملك عبدالسلام كملت الخمسة وعشرين سنة… وما حدش في الدنيا دي كلها هيقدر يجبرها على حاجة تاني.”
مرت تلات سنين.
تلات سنين من اليوم اللي مسح فيه عز الدين الدمعة من على خدي، ومن الساعتها… الدخان اللي كان مغطي حياتي اتكشف تماماً.
ماجد الشناوي ما لحقش حتى يفكر ينتقم. أوراق المخازن المشبوهة، وقضايا التخليص الجمركي المضروبة اللي عز الدين رمى ملفاتها في النيابة ثاني يوم، كانت كفيلة إنها تطير اسمه من السوق في أسبوعين. الممتلكات اتجمّدت، والشركات اتأفلت، وماجد قضى باقي حياته بيتجول بين أروقة المحاكم، لحد ما بقاش حيلة إيده غير الذكريات والنفوذ اللي أتمحى.
أما أبويا… فلما عرف إن ماجد وقع، وإن ملك مش مجرد بنت هربانة، دي بقت تحت حماية عز الدين المغربي بكل قوته ونفوذه، اختار السكوت. أدرك إن الصفحة اتقفلت، إن البنت المطيعة اللي كان عاوز يبيعها في صفقة تجارية الليلة اللي اتنعكست فيها خصلات شعرها على أرضية أوضة الغسيل.
النهاردة…
أنا واقفة قدام مراية كبيرة في شقة واسعة بتبص على النيل مباشر.
الشعر الأسود الطويل رجع نزل تاني على كتفي، أطول وأتقل من الأول. لابس الفستان الأبيض البسيط اللي اخترته بنفسي، من غير ما حد يملي عليا كلمة، ومن غير ما يكون فيه خمسين غريب نايمين في فيلا بيحتفلوا بجوازة أنا رافضاها.
الباب انفتح ببطء.
دخل عز الدين. كان لابس بدلة كحلي أنيقة جداً، بس عينيه السمرا هي هي… نفس العيون اللي بصلت لـ “آدم الميكانيكي” أول مرة، ونفس العيون اللي حمت “ملك” لما الدنيا كلها كانت ضدها.
قرب مني بخطوات هادية، وقف ورايا قدام المراية، وحط إيديه الاثنين على كتفي.
“جاهزة؟” همس بيها صوته الدافئ القريب.
بصيت لورشه في المراية، وابتسمت ابتسامة حقيقية، صافية، طالعة من وسط قلبي لأول مرة من سنين.
“جاهزة يا عز…”
مسك إيدي، وضغط عليها بنفس الثبات اللي حسيت بيه أول يوم طلعت فيه الشقة فوق الورشة.
الورشة لسه شغالة، وصوت المواتير والحديد لسه مالية الشارع تحت، بس آدم راضي اختفى خلاص… وملك عبدالسلام أخيراً لقيت بيتها، ولقيت الراجل اللي اختارته بكامل حريتها.
خرجنا سوا، وأنا عارفة إن القصة اللي بدأت بمقص وهروب في ضلمة الليل… انتهت بنور وعز مالوش آخر.
تمت
حكايات انجى الخطيب




