
ـ افهمني الأول.. أنت لما كنت مسافر من خمس سنين، وبعت الفلوس عشان تشتري الشقة دي من أصحابها، المحامي قال إن عقود التمويل العقاري والإجراءات هتتعطل لأنك برة مصر ومفيش توكيل خاص بالشراء والبيع، والبيت كان لُقطة وهيضيع من إيدنا. أنت وقتها قولتلي اتصرفي يا أمي.. فشريتها وسجلتها باسمي على أساس أول ما تنزل نهائي من السفر نرجع نكتبها باسمك عند المحامي!
سألني وهو بيجز على سنانه وعيونه أحمرت:
ـ ده كان من خمس سنين يا أمي! أنا نازل نهائي بقالي سنتين ومتجوز فيها بقالي سنتين وعندي منها ثلاثة أطفال! ليه مانقلتيش الملكية؟ ليه كل ما أفتح معاكي موضوع الأوراق تقوليلي الورق عند المحامي والمحامي مسافر؟ ليه ضحكتِ عليا؟
غمضت عيني بعجز وقالت:
ـ عشان أختك..
صدمته كانت أكبر، رفع حواجبو وقال:
ـ أختي؟! إيه دخل أختي بشقتي وفلوسي؟!
قلت له والحقيقة بتتكشف حتة حتة زي القنبلة موقوتة:
ـ اختك طليقها كان كاتب عليها ديون وتجهيزات الشقة القديمة، وكان هيحبسها.. الفلوس اللي أنت كنت بتبعتها عشان تجهيزات شقتك ومؤخرك، أنا اضطريت أخد جزء منها وأفك ضيقتها وأسدد ديونها عشان ما تخش السجن، وعلى ما جه وقت جوازك أنت.. الفلوس المتبقية ما كانتش تكفي الدهب والمهر.. فاضطريت أرهن أوراق الشقة دي للبنك عشان أخد قروض وأكملك جوازك من غير ما تحس إنك ناقصك حاجة أو إنك مش قادر تتجوز اللي اخترتها!
ابني اتسمر في مكانه، الصدمة خلت حسّه يروح. بقا يبصلي وهو مش قادر يجمع بين الأم اللي كانت بتبان حنونة وخايفة على مصلحته، وبين الأم اللي تصرفت في حلاله ورهنت بيته وأخدت فلوسه لأخته من غير ما تقوله.
قال وهو بيضحك ضحكة هستيرية وجعها يقطع القلب:
ـ يعني أنا كل السنين دي شغال عشان أسدد ديون اختي وجوزها؟ يعني الشقة دي مرهونة للبنك؟ يعني مراتي كانت صح لما قالتلي أمك مش جاية تزورنا.. أمك جاية تتفقد أملاكها اللي خايفة تضيع منها؟ جاية تقعد عشان تطمن إن البنك ما جاش حجز على البيت اللي هي راهناه من ورانا؟!
صرخت فيه:
ـ أنا عملت كده عشان أحمي أختك من السجن! وعملت كده عشان أسترها وعشان أتجوزك أنت كمان وما تطلعش صغير قدام أهل مراتك! أنا ما أخدتش حاجة لنفسي يا ابني!
رد وهو بيهز رأسه بقلة حيلة والدموع بتنزل من عينيه:
ـ أنتِ دمرتيني يا أمي.. أنتِ ما سترتنيش، أنتِ غطيتِ عيب بدين أكبر.. ومراتي عرفت كل ده! تعرفي عرفت منين؟
بصيت له برعب وقلت:
ـ عرفت منين؟
قال بصوت مكسور:
ـ المحامي اللي أنتِ راهنة عنده الشقة، يبعد عن أهلها شارعين، ولما البنك أبعت إنذار بالتأخير على العنوان هنا الأسبوع اللي فات.. جواب الإنذار أتسلم لمراتي وهي والدة في البيت وأنا في شغل! مراتي قرأت الإنذار.. وعرفت إن البيت اللي حيلتنا متهدد بالبيع في المزاد العلني! وعرفت إنك كاتبة البيت باسمك وراهناه!
في اللحظة دي فهمت كل حاجة.. فهمت ليه مرات ابني فتحتلي الباب وهي مهدودة وكسيرة، فهمت ليه كانت بتبصلي بجلود وقسوة، وليه رمت العيال في إيدي ومشيت.. هي ما كانتش هربانة من خدمة البيت والعيال ولا من زيارتي المفاجئة.. هي كانت هربانة من الخديعة اللي عاشت فيها سنتين، هربانة من حقيقة إن جوزها بقى مديون ومالوش بيت يلم أطفاله الثلاثة بسبب أمه!
ابني مسك مفاتيح العربية من على الترابيزة، وبصلي بجمود مرعب وقال:
ـ العيال عندك يا أمي.. شوفي هتتصرفي فيهم إزاي وهتنضفي البيت إزاي زي ما قولتي لمراتي.. أنا رايح لأهلها عشان أرجّعها، بس المرة دي مش رايح أعتذر لها عن زيارتك.. أنا رايح أوقع لها على تنازل عن نصيبها، أو هشوف هبيع إيه عشان أسدد دين البنك قبل ما يرمونا كلنا في الشارع.. وإذا مراتي وافقت ترجع.. مش هترجع غير لما أنتِ تطلعي من البيت ده وما تدخليش فيه تاني أبداً.
قبل ما ألحق أرد، كان خرج وقفل الباب وراه بقوة هزت أركان الشقة كلها، وسبني واقفة في صالة الشقة اللي افتكرت إنها بيتي، وسط ثلاثة أطفال بيصرخوا، ومعايا جوابات إنذار وبنك بيهدد يضيع شقى عمري وعمر ابني.



