منوعات

حكايات اسما السيد 1

— محدش يلمسها.

وفي اللحظة دي…

بدأنا نفهم إن محاولة سرقة فرح بنتي ماكانتش أسوأ سر هيظهر في اليوم ده.

الذهول خيّم على المكان كأن الهواء انسحب فجأة من قاعة الاستقبال.
عريس بنت أختي لم ينتظر جواباً منها، بل كان ينظر إليها بنظرات تطفح بالخيبة والصدمة. كان يقلّب الورقة في يده، ويمشي بخطوات بطيئة بيننا، وكأنه يحاول استيعاب حجم الفخ الذي استُدرج إليه.
وقف أمام أمي مباشرة ورَفَع الورقة في وجهها، وقال بصوت خفيض لكنه يرن كالجرَس في القاعة الفارغة:
— “حضرتك اللي جوزتيني بنتك على أساس إنها من عيلة محترمة وما بتظلمش حد؟ حضرتك اللي حطيتي إيدك في إيدي وقلتيلي إن عيلة خالتها التزمت بفتح قاعة البحر ليها هديّة وزفاف كريم؟ التوقيع ده مش مجرد تزوير… ده توقيع باسم عديلك! جوز خالتها اللي محطوط اسمه هنا بصفته وافق يتنازل عن الحجز!”
أمي ارتبكت، ولأول مرة في حياتي أراها تتلعثم وتفقد تلك الهيبة الزائفة التي طالما فرضتها علينا. التفتت نحو أختي بصدمة وقالت:

— “إيه الورقة دي يا نيفين؟ مش قلتيلي إنك اتفهمتي مع أختك وإن جوزها كتب العقد التكميلي ده بنفسه؟”
هنا فقط… ظهرت أول قطرة في السيل.
أختي ارتبكت وبدأت تتراجع للخلف، تحاول سحب ابنتا ذات الفستان المنفوش التي كانت تقف كتمثال من الشمع، وقد تلطخ مكياجها بدموع الخوف والإحراج. لكن زوج العروس المستقبلية — أو من كان يُفترض أنه عريسها — لم يستسلم. أخرج هاتفه بسرعة، وبدأ يقلّب في الرسائل والصور، ثم رفعه أمام الجميع.
— “مش بس كدة…” قالها وهو يهز رأسه بقلة حيلة، ثم وجه كلامه لأمي: “أنا دفعت لأختها — أم العروسة — أكتر من 25 ألف دولار كاش الأسبوع اللي فات! قلتيلي دي مصاريف الشحن والتأمين والمصممين الملتزمين بالمكان اللي خالته حجزته! إنتو ما نصبتوش على أختكم وبس… إنتو أخدتم فلوسي أنا كمان وإدتوني إيصالات مزورة باسم شركة تنظيم الحفلات دي!”
منظمة الحفل قربت خطوة ثانية، ونظرت للإيصال المعروض على شاشة الهاتف، ثم هزت رأسها بالرفض القاطع وقالت بلهجة حاسمة:

— “هذا الإيصال لا يمت لشركتنا بصلة. الخاتم مزور، والرقم الضريبي الموجود هنا يخص شركة مقاولات مغلقة منذ ثلاث سنوات. نحن لم نستلم دولاراً واحداً من طرفكم، وكل المبالغ المدفوعة للحجز الحقيقي تم سدادها بالكامل من الحساب البنكي المباشر للسيدة الموجودة أمامكم” — وأشارت إليّ.
في هذه اللحظة، ظهر زوجي من القاعة الداخلية. كان يحمل في يده كوباً من القهوة، ويسير بهدوء تام بعد أن اطمأن أن ابنتنا وزوجها يستعدان لمغادرة الفندق متوجهين إلى المطار لبدء رحلة الزفاف.
عندما رآهم زوجي، لم يندهش. وقف بجانبي، وضع يده على كتفي، ونظر إلى أمي وأختي بنظرة تحمل مزيجاً من القرف والشفقة.
قال زوجي بصوت هادئ وموزون:
— “كنتم فاكرين إننا هنسكت زي كل مرة؟ فاكرين إن سالي هتكبر وتفضل تتنازل لبنتك عن ألعابها، وعن حفلة تخرجها، والدلوقتي عن يوم عمرها؟ 90 ألف دولار يا حمايا العزيزة… 90 ألف دولار شقينا فيهم أنا ومراتي سنة ونص عشان نعمل لبنتنا اليوم اللي كانت بتحلم بيه وهي طفلة. فاكرين إننا هنسيبهالكم بالسهولة دي عشان بنتك تقبض من عريسها وتيجي تعزم ناسها على حسدنا وتعبنا؟”
أمي صرخت بوجه زوجي، محاولة التغطية على الحقيقة التي انكشفت أمام الجميع:
— “إنت بتتكلم معايا كده إزاي؟ إنت اتجننت؟ إنت نسيت إني أم مراتك؟ إنتو عملتوا المؤامرة دي عشان تفضحونا قدام الناس؟ عشان تصغروا بنتي في يوم فرحها؟”
قاطعتها بمنتهى الهدوء، ولأول مرة في حياتي أنظر في عيني أمي دون أن أضعف أو أتراجع:
— “المؤامرة دي إنتِ اللي كتبتي أول سطر فيها لما كلمتيني من أسبوعين وقلتيلي بكل برود: ‘بنتك تستنى… بنتك مش مهمة’. من اليوم ده، إنتِ خرجتي نفسك من حياتنا يا أمي. إنتِ ما جيتيش تفرحي لبنتي… إنتِ جيتي تسرقي فرحتها وتقدميها لبنت أختي على طبق من ذهب عشان تفضلي شايفاها أفضل وأحسن من بنتي.”
عريس بنت أختي أخذ خطوة إلى الخلف، ونظر إلى وصافائه وأقربائه الذين كانوا يقفون عند مدخل القاعة مصدومين مما يحدث. أشار إليهم بيده وقال بصوت واضح:

— “اجمعوا الحاجات اللي جبتوها… الحفلة دي ملغية. والجوازة دي كلها ملغية.”
بنت أختي انهارت وسقطت على الأرض بفستانها الأبيض المزين بالفصوص، وبدأت تصرخ وتستغيث بأمها وأمي:
— “أنا ماليش دعوة! هما اللي قالولي هنعمل كده! هما اللي قالولي خالتك خايفة منك وهتسيبلك القاعة لما نضغط عليها! هما اللي قالولي كل حاجة مترتبة!”
لكن العريس لم يلتفت إليها. التفت إليّ وإلى زوجي، ونزل رأسه قليلاً باحترام وقال:
— “أنا بعتذرلكم جداً عن المهزلة دي. أنا اتضحك عليا وزي ما اتسرقتوا في مشاعركم أنا اتسرقت في فلوسي وكرامتي. حقكم عليا.”
ثم التفت إلى أختي وأمي وقال بنبرة تهديد  دي هتوصل للنيابة الصبح لو الفلوس ما دخلتش حسابي.”
مشى العريس خارجاً من القاعة، ورباط حذائه يجر خلفه، وتبعه أهله وأصحابه وهم يتهامسون ويتطلعون إلى أمي وأختي بنظرات احتقار لا تُنسى.
بقيت أمي، وأختي، وبنت أختي المستلقية على الأرض بدموعها وتجميلها المنهمر، وسط القاعة الفارغة.
تقدم مدير الأمن في الفندق بخطوات واثقة، ووقف بيننا وبينهم، ثم قال بلهجة رسمية لا تحتمل النقاش:
— “يا فندم، العقد المبرم معانا ينص على إن القاعة والمساحة الشاطئية مخصصة للضيوف المصرح لهم فقط حتى الساعة الثانية ظهراً. وأصحاب الحجز طلبوا منا رسمياً إخلاء المكان من أي أشخاص غير مدعوين. لو سمحتم اتفضلوا اخرجوا برة بدون شوشرة، وإلا سنضطر لاستدعاء الشرطة فوراً للتعامل مع واقعة ، وخوفاً من خروجهم مطرودين أمام موظفي الفندق والضيوف المقيمين.
قالت وهي  :

— “هتسيبي أمك تتطرد برة الفندق يا نادية؟ هتسيبيهم يرموا وفستان بنت أختك في الشارع؟”
اقتربت منها خطوة واحدة، ونظرت إلى الأوراق المزورة التي كانت ملقاة على الأرض، ثم رفعت عيني إليها وقالت:
— “زي ما قلتيلهم يغيروا الورد ويشيلوا اسم بنتي… خدي بنتك وفستانها واخرجوا من الباب اللي دخلتم منه. الفجر كان بتاع بنتي… والساعة اللي جاية دي بتاعتي أنا وجوزي عشان نشرب قهوتنا ونقفل الحساب.”
التفتُّ وعطيتهم ظهري، وأمسكت بيد زوجي وسرنا باتجاه الشاطئ، حيث كانت الشمس قد ارتفعت في السماء، ولمسات الفرح الحقيقي ما زالت معلقة على السوار الخشبي والورد الأبيض الذي لم يجرؤ أحد على مسه.
سمعت خلفي صوت حفيف الفستان الأبيض وهو يُسحب على الأرض، وصوت بكاء أختي وصراخ أمي العالي وهي تتجادل مع أفراد الأمن، ولكن لأول مرة في حياتي… لم ألتفت، ولم يهتز فيّ أي عصب.

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى