روايات وقصص

حكايات منى 3

مسك أحمد الصواني والأكل، وأخدني من إيدي وطلعنا على فوق، ورزع باب شقتنا قفلة أعلنت نهاية عصر الضعف والاستغلال. طلعت شقتي، قعدت على الكرسي وأنا بتنفس براحة حقيقية.. أحمد بصللي وقالي: «من النهاردة، أنتِ ست بيتك والكلمة كلمتك، ومحدش هيقدر يكسرلك عين تاني.»

ابتسمت وأنا حاسة بانتصار كرامتي، بس جوايا كنت عارفة إن حماتي لما تنعزل ويتقفل في وشها الباب بالطريقة دي.. المرة الجاية مش هتسكت، والضربة الجاية هتكون القاضية اللي هتحدد يا إما نعيش في سلام للأبد.. يا إما البيت ده يتهد بالكامل!

مر أسبوع كامل بعد الليلة دي. العمارة كانت عايشة في صمت رهيب، حماتي انزوت تماماً في شقتها تحت، ومبقاش يتبان لها حس ولا خبر، وحتى مروة وجوزها هاني اختفوا ومبقوش يعتبوا الشارع. الحياة فوق في شقتي بقت هادية، رايقة، وعامرة بالدفء. ولادي بياكلوا لقتهم بكرامة وهدوء، وأحمد بقيت أشوف الابتسامة على وشه أول ما يدخل من باب البيت، حس بإن بيته أخيرًا بقى مملكة مقفولة عليه وعلى أسرته.

وفي يوم جمعة، والجو كان صافي وساكن، كنا قاعدين بنفطر أنا وأحمد والولاد. فجأة، سمعنا صوت خبط هادي جداً على الباب، مش خبط خناق ولا تمثيل، خبطة فيها تردد واستحياء. أحمد بصلي، وقام فتح الباب بنفسه. كان واقف على الباب رجل كبير في السن، شعره أبيض، ووشه مليان طيبة ووقار.. كان الشيخ عبد التواب، إمام المسجد الكبير في الشارع ورجل ديني معروف بالعدل والحكمة، وجنبه عم حسنين كبير الجيران.

أحمد رحب بيهم باحترام شديد: «أهلاً يا شيخنا.. اتفضل يا عم حسنين، خير إن شاء الله؟» دخل الشيخ عبد التواب وقعد في الصالة، وبص لأحمد وليا بمنتهى الهدوء وقال بنبرة دافية: «يا أحمد يا ابني.. أنا ما جيتش النهاردة عشان أضغط عليك، ولا عشان أفرض عليك حاجة ضد رغبتك. أنا جيت بصفتي رجل دين وعارف أصول ربنا. أمك تحت يا ابني.. بقالها أسبوع ما بتدقش الأكل، قاعدة في شقتها لوحدها مكسورة العين، وتبكي على اللي عملته. أنا أعدت معاها وسمعت منها، والست اعترفت بغلطها وقالتلي باللفظ: (أنا الشيطان عماني يا شيخنا، وكنت عايزة أفرض كلمتي وأمشي بيتي بعافية، لحد ما خسرت ابني ومراته وبقيت لوحدي كأنني مقطوعة من شجرة).»

أنا سكت، وأحمد بصل للأرض ونفسه ثقيل، وقال: «يا شيخنا.. أنا ما قطعتش أمي، وأنا بار بوالدتي وواجبها وطلباتها بتوصلها لحد عندها، لكن بيتي وكرامة مراتي خط أحمر، هي اللي اضطرتني للباب المقفول ده بعد كل الحيل اللي عملتها.» الشيخ عبد التواب التفت ليا، وبص في عيني بوقار وقال: «وأنتِ يا ندى يا بنتي.. أنتِ ست أصيلة وبنت بنوت، ووقفتك عن حقك وحق ولادك موقف يحترم، والشرع والدين يديكي الحق في إن بيتك يكون له حرمته واستقلاليته. بس الصلح خير يا بنتي.. والمسامح هو الأقوى دايماً. أمك تحت مستعدة تطلع لحد باب شقتك، مش عشان تفرض شروط ولا تتدخل في أكلك وشربك، بس عشان تبوس رأسك قدام ابنها والجيران، وتعتذرلك اعتذار صريح على كل اللي بدر منها، وتتعهد قدام ربنا وقدامنا إن بيتك ده مش هتعتبه إلا بدعوة منكِ، ولا هتتدخل في فتلة من أمور حياتكم تاني.»

الكلمات نزلت على قلبي وريحتني.. أنا ما كانش غرضي الحرب ولا الانتقام، أنا كل اللي كنت عايزاه هو الاحترام، وإن كرامتي وبيتي يتصانوا. بصيت لأحمد، ولقيت في عينيه رجاء خفي، حابب أمه ترجع لربنا وترتاح نفسه، بس في نفس الوقت محترم كلمة مراته وما يستجرئش يضغط عليا. رفعت رأسي وقلت للشيخ عبد التواب وثبات ورزانة: «يا شيخنا.. اللي يجيلنا بالحق والشرع، إحنا تحت رجليه. أنا ما بكرهش حماتي، أنا كنت بكره الاستغلال وكسرة العين. طالما عرفت حق بيتي، وحق ولادي اتصان، أنا بابي مفتوح للتسامح، بس على أساس واصل: بيتي ملكي، وقوت عيالي لعيالي، وما فيش حيلة ولا تدخل هيتدس بيننا تاني.»

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى