
باب القاعة الكبرى انفتح ببطء، ودخلت مع جدي هيكتور وسط نظرات الإبهار والاحترام من كل الحاضرين على طاولة الاجتماعات الضخمة. الصحفيون ورجال الاقتصاد من مختلف دول العالم كانوا متابعين وصولنا بعيون مذهولة، خصوصًا بعد الفوضى اللي حصلت بره مع إيثان وصوفي.
قعدت في مقعد رئيس الاجتماعات، وفتحت ملفات الشراكة التجارية قدامي بثقة مطلقة.
جدي هيكتور وقف جنب الكرسي بتاعي وبص للحاضرين وقال بصوته القوي والثابت:
— أهلاً بالجميع.. قبل ما نبدأ في توقيع العقود واستعراض الخطط الاستثمارية، أحب أعرفكم برئيسة الوفد المالي والمسؤولة الأولى عن اختيار الشركاء الاستراتيجيين في السوق الآسيوي.. حفيدتي ووريثة مجموعة ويستبرج، السيدة كلير غارسيا.
التصفيق حار ملأ القاعة كلها، والكل وجه أنظاره ليا بتقدير بالغ.
رفعت عيني بصمت، وابتلعت غضبي السنين اللي فاتت كله في نظرة حادة واثقة. فتحت اللابتوب وبدأت أستعرض خطط الشراكة الجديدة، وأحدد الشركات المحلية المحترمة اللي تستحق فعلاً الاستثمار معاها، مع استبعاد تام لأي شركة لها صلة من قريب أو بعيد بالأسماء اللي حاولت تتلاعب وتتسلل بالطرق الملتوية.
وفي وسط الاجتماع، ومكتب العلاقات العامة دخل بهدوء وهمس لمدير الفندق اللي نقل لي الرسالة فوراً:
— فندم، إيثان وصوفي لسه واقفين بره بوابة الفندق الرئيسية، بيحاولوا يدخلوا بالقوة، ومعاهم محامي محلي، وبيصرخوا إن في تلاعب في طردهم وإنهم هيبلغوا الشرطة والجهات الرسمية.
رفعت حواجبى بهدوء، وقاطعت الاجتماع لثوانٍ معدودة، وقولت بصوت واضح وهادئ لكل الحاضرين:
— اعتذر عن المقاطعة البسيطة.. يبدو أن هناك بعض الزوار غير المعتمدين الذين لم يدركوا بعد أن عصر الاستغلال والابتزاز قد انتهى بلا رجعة.
ثم وجهت كلامي لمدير الفندق:
— بلغ الأمن يخليهم يدخلوا.. لكن ليس إلى القاعة هنا، بل إلى قاعة الاستقبال الجانبية الشفافة، وتحاط بالحراس، لكي يروا بأعينهم كيف تُدار الصفقات الحقيقية، ومن هي التي لا تستطيع العيش بدونهم.
خلال دقايق، تم فتح باب قاعة الاستقبال الجانبية المكشوفة قدام قاعتنا الكبرى، ودخل إيثان وصوفي وهم تحت إشراف الأمن وتحاط بهم النظرات من كل مكان.
إيثان شافني قاعدة على رأس طاولة الاجتماعات الضخمة، وبجانبي جدي هيكتور، والشاشات الكبرى بتعرض اسمي وصفتي الرسمية. وجهه انقلب للألوان كلها من الصدمة، وقدميه كادتا لا تحملانه.
صرخ إيثان بصوت هستيري وهو بيحاول يقرب من القاعة:
— كلير! مستحيل! إنتي إزاي وصلتي للمكان ده؟! إنتي بتهزري صح؟! تعالي هنا وكلميني! إحنا خطيبين! إزاي تعملي فيا كده؟!
صوفي كانت واقفة وراءه بتعيط بانهيار ووجهها باهت تماماً، ومش قادرة تنطق بكلمة واحدة من حجم الفضيحة والكسرة اللي تعرضت لها قدام كبار رجال الأعمال والصحفيين.
وقفت من مكاني بهدوء، وأخذت الميكروفون الموجه للقاعة، وبصيت لإيثان من خلف الزجاج الشفاف، وقولت بصوت هادئ وقوي وصل لكل زاوية في القاعة:
— خطيبين يا إيثان؟ غريبة.. مع إني تذكرت أنك كنت بتقول من شوية إنني “مش هفهم حاجة، وإن وجودي معك مجرد مصلحة عشان فلوسي وشقتي وترقيتك”. هل نسيت لغتك الإسبانية بهذه السرعة لدرجة أنك نسيت من كنت أتحدث عنه؟
إيثان تجمد في مكانه، وفتح عينه على وسعها، وادرك أخيراً أنني فهمت كل كلمة قالوها في المطعم بالإسباني من البداية للنهاية، وأن صمتي طوال تلك الليلة لم يكن ضعفاً ولا غباءً، بل كان الفخ الأكبر والأخير الذي سقط فيه بذكائه المزعوم.
— إنتِ.. إنتِ كنتي فاهمة كل حاجة من الأول؟! ردد إيثان بصوت مرتعش وضعيف، وانهار على ركبتيه على أرضية القاعة الجانبية من شدة الصدمة والانهيار.
صوفي صرخت فيه بجنون وضربته على كتفه:
— إنت السبب! إنت اللي ضيعتنا وغرّك غرورك! كفاية فضايل!
الحراس تقدموا منهم بهدوء، وسحبوهما إلى خارج الفندق نهائياً، وسط ومضات كاميرات الصحفيين التي وثقت كل ثانية من سقوط إمبراطورية الكذب والاستغلال الخاصة بهم.
جلست مرة أخرى بهدوء، وعدلت أوراقي قدامي، وابتسمت لجدي هيكتور الذي أومأ لي برأسة ممتنة ومفتخرة.
— لنستكمل الاجتماع أيها السادة.. وقالت بصوت واثق:
— الشراكة القادمة ستكون على أسس من الكفاءة، والشفافية، والاحترام المتبادل.. لا مجال بعد الآن لمن يستغلون طيبة القلوب.
مرت ساعات الاجتماع بنجاح باهر، وتم توقيع العقود النهائية الكبرى لمجموعة ويستبرج في السوق الآسيوي، واختيرت الشركات المحلية النزيهة والكفؤة بعناية فائقة، لتبدأ مرحلة جديدة كلياً في حياتي المهنية والشخصية، مرحلة أثبت فيها لنفسي ولكل من حول أن الفتاة التي ظنوا أنها ضعيفة و”لا تستطيع العيش بدونهم”، كانت هي القوة الوحيدة القادرة على بناء مستقبلها بدموع قليلة ووعي كامل.
الجزء الرابع والأخير من القصة:
بعد انتهاء الاجتماع الأسطوري وتوقيع العقود الكبرى، خرجت من قاعة المؤتمرات برأس مرفوعة وخطوات ثابتة، وكان جدي هيكتور ماشي جنبي وماسك إيدي بابتسامة فخر واضحة.
الصحفيين كانوا مستنيين بره بأعداد رهيبة، وفلاشات الكاميرات ما كانتش بتفصل ولا ثانية. الأسئلة كانت بتنزل زي المطر:
— سيدة كلير، إزاي قدرتي تديري مجموعة ويستبرج في آسيا بالسرية دي؟
— هل توقيع العقود ده هيغير شكل السوق الاقتصادي هنا؟
— إيه تعليقك على اللي حصل مع المتقدمين المفصولين بره القاعة؟
وقفت قدام الميكروفونات، وابتسمت ابتسامة هادئة وحاسمة وقريت كلماتي بكل ثقة:
— النجاح الحقيقي مش بيجي بالصدفة، ولا بالاستغلال أو الكذب. النجاح بيتبنى على الوضوح والكفاءة، ومجموعة ويستبرج دايماً بتختار شركائها بناءً على المبادئ مش المصالح الشخصية الوهمية. شكراً لكل الصحفيين، واليوم ده هو بداية صفحة جديدة كلياً.
ركبت عربيتي الخاصة مع جدي، واتحركنا بعيد عن الفندق وسط هتافات واحترام الجميع.
بعد مرور أسبوعين من اليوم ده، كانت الأمور مشت في طريقها الصحيح وقرارات الحسم جابت نتيجة فورية.
قضايا النصب والاسترداد اللي رفعها محامي العيلة ضد إيثان كانت ماشية بسرعة البرق. الشقة اللي كتبها باسمه لوحده بفلوسي تم الحجز عليها قضائياً، وكل مليم دفعته طوال الخمس سنين اتحكم باسترداده فوراً مع تعويضات مالية ضخمة.



