
خرج جاسر يلهث كأنه بيتخنق، خطواته كانت عشوائية ومتخبطة على درج الفندق الفخم، عينيه كانت بتدور على عربية عاصم الشريف بلهفة جنونية. أول ما وصل للساحة الخارجية، شاف المشهد اللي نزل على قلبه زي السكين: عاصم واقف بكل هيبة وبيفتح باب العربية المرسيدس السوداء لندى بنفسه، وندى بتركب بكبرياء وهي بتبتسم له، وقبل ما الباب يتقفل، عينيها جت في عين جاسر المكسورة والمصدومة.. بس المرادي ما كانتش نظرة برود، كانت ابتسامة نصر هادية أحرقت اللي فاضل من كرامته.
العربية تحركت وبقت تبعد وسط حراسة مشددة، وجاسر وقف في نص الشارع والريح بتعفر في بدلتهم الأنيقة اللي بقت مالهاش أي قيمة. الكاميرات والصحفيين طلعوا يجرو وراه وبيوجهوا له الأسئلة زي المطارق:
“جاسر بيه! إيه صحة اتهامات مدام ندى؟”
“هل فعلاً شركة الألفي بتواجه الإفلاس والتزوير؟”
“إيه ردك على تحالف عاصم الشريف ضدك؟”
جاسر كان بيزق المصورين بتهور وصراخ:
“ابعدوا عني! بطلوا تصوير! محدش يصور!”
في اللحظة دي، خرجت دينا من بوابة الفندق، ماسكة وشها مكان الضربة، وعيونها مليانة غل ودموع وهمجية، صرخت بعلو صوتها قدام الصحافة:
“أنت بتضربني يا جاسر عشان الشحاتة دي؟! أنا اللي وقفت جنبك وعملت لك قيمة! والله ما هسيبك، وهرفع عليك قضية ضرب وإهانة وأخد منك كل مليم حيلتك!”
جاسر لف لها وعينيه بتطق شرار، قرب منها ونسي إن الصحافة بتسجل كل كلمة:
“أنتِ تسدي بؤك خالص! أنتِ اللي عميتيني عن الحقيقة، أنتِ اللي دخلتي حياتي عشان تاخدي فلوسي وتلبسي ألماسات وتقولي لي يا بيبي! ندى اللي كنت تصففيها بالشحاتة طلعت بمليون راجل وطلعت أذكى منك ومني! غوري من وشي، أنتِ طالق يا دينا.. طالق بالثلاثة!”
شهقت دينا وتراجعت لورا بصدمة، والصحفيين بدأوا يكتبوا ويصوروا “فضيحة الموسم: جاسر الألفي يطلق زوجته الثانية على درج الفندق بعد دقيقة من انفضاح أمره”. دينا سابته وهي بتصرخ وبتتوعده بالانتقام وركبت تاكسي وغادرت المكان.
ركب جاسر عربيته وهو بينفض من الرعب والغضب، وداس بنزين لأقصى سرعة وهو بيتصل بالمحامي بتاعه.
“ألو! الأستاذ مدحت؟ أنت فين؟!”
رد المحامي بصوت متوتر وقلقان جداً:
“جاسر بيه! أنت فين؟ التليفزيون والسوشيال ميديا مقلوبة! البث المباشر للمؤتمر نزل في كل مكان، والنيابة العامة لسه باعتة إخطار رسمي لشركتك بوقف كل الحسابات البنكية والتحفظ على الأصول لحين التحقيق في بلاغ التزوير المقدم من محامي مدام ندى والمهندس عاصم الشريف!”
جاسر ضرب الدركسيون بإيده بصرخة هستيرية:
“تزوير إيه يا مدحت؟! أنت مش قايلي إن الأوراق سليمة وأن أبوها بصم عليها وهو في المستشفى قبل ما يموت؟! أنت مش قايلي إن الحيلة دي مش هتكشف أبداً?!”
رد المحامي بخوف:
“يا جاسر بيه ما هو ده اللي حصل! بس عاصم الشريف جاب فريق جنائي دولي، وفتحوا التحقيق في المستشفى وقدروا يوصلوا للطب الشرعي وللممرضة اللي كانت شاهدة، وثبتوا إن البصمة اتأخدت وأبوها في غيبوبة وفاة! القضايا دي فيها سجن ومش أقل من عشر سنين! لازم تهرب أو تلاقي طريقة تتفاوض بيها مع ندى!”
جاسر قفل السكة في وش المحامي والدموع بدأت تنزل من عينيه، مش ندم.. بس قهر وعجز. عقله كان بيرجع بيه للماضي: افتكر لما ندى كانت بتقف في المطبخ بالساعات تعمل له الأكل اللي بيحبه، افتكر لما كانت بتسهر جنبه لما يمرض، افتكر لما طردها في ليلة شتا مطيرة، ورمى شنطة هدومها في الشارع وقالها “أنتِ حتة خدامة مالكيش مكان في قصري، أنا هتكوز اللي تليق بمقامي”. وافتكر ندى وهي واقفة ساكتة، دموعها نازلة من غير صوت، وقالت له جملة واحدة بس قبل ما تمشي: “ربنا مش بيسيب حقي يا جاسر.. واليوم اللي هتركع فيه تحت رجلي قريب أوي.”
وصل جاسر للفيلا بتاعته، دخل وهو زي المجنون، بيطلب من الخدم يجمعوا له الفلوس والساعات الثمينة والورق المهم من الخزنة عشان يهرب قبل ما الشرطة توصل. بس أول ما فتح باب المكتب، اتفاجأ بشخص قاعد على الكرسي بتاعه وبيشرب قهوة بهدوء.
كان عاصم الشريف بنفسه، وحواليه أربعة من رجال الأمن الضخام.
جاسر اتخشب مكان خطوته وقالك برعب:
“أنت.. أنت دخلت هنا إزاي؟! وبحق إيه تقعد على كرسيي؟!”
ابتسم عاصم ابتسامة سردت الرعب في قلب جاسر، وحط الفنجان على الترابيزة وقال بصوت هادي ورخيم:
“أولاً ده مش كرسيك خلاص.. الفيلا دي والشركة والسيارات وكل أملاكك صدر ضدها أمر تحفظ وتجميع ممتلكات لصالح الشريكة ندى، كتعويض مبدئي عن الأرباح اللي سرقتها منها على مدار الثلاث سنين اللي فاتوا.”
جاسر صرخ: “أنت فاكر نفسك مين؟! أنت واخدها لحسابك ولا واخدها لحسابها؟! دي مراتي السابقة، أنت مالك ومالها؟! هي بعتت لك جسمها عشان تنتقم مني بها؟!”
في لحظة خاطفة، عاصم قام من مكانه وقفل المسافة بينهم بسرعة غير متوقعة، ومسك جاسر من لياقة بدلته بكل قوته ورفعه لفوق، وعينيه بقت زي جمر النار:
“إياك.. إياك تنطق اسمها بلسانك الوسخ ده تاني! ندى مش مجرد ست انتقمت منك.. ندى بقت مراتي على سنة الله ورسوله من شهرين، والراجل اللي يمس شعر منها أو ينطق في حقها كلمة مش مظبوطة أدفنه تحت الأرض وهو حي!”
جاسر اتسعت عينيه بصدمة جديدة شلت تفكيره: “مراتك؟! اتجوزتها؟!”
رمى عاصم جاسر على الأرض باحتقار، وجاسر وقع زي الكيس الفاضي. ندى دخلت في اللحظة دي من باب المكتب، كانت غيرت فستان الأسود ولابسة طقم رسمي أنيق جداً، عيونها كان فيها قوة وثبات لا يتزعزع.
قربت من جاسر وهو مرمي على الأرض، وبصت له من فوق وقالت:
“كنت فاكر إن العالم بينتهي عندك يا جاسر؟ فاكر إنك لما تكسر واحدة وتطردها هتفضل طول عمرها مكسورة؟ أنت ما تعرفش إن ضربتك ليا هي اللي صحّت جوايا القوة اللي كنت دفناها عشان أرضيك. عاصم ما ساعدنيش عشان طمعان فيا.. عاصم هو الراجل الحقيقي اللي شاف مظلوميتي ووقف جنبي ورجع لي حقي ورجع لي كرامتي اللي أنت دوست عليها.”
جاسر مسك رجل ندى وبدأ يبكي بهستيريا، يأس مطلق تملك منه:
“ندى! أرجوكي يا ندى! أنا آسف.. أنا اتعميت! دينا هي اللي ضحكت عليا وهي اللي زقتني أعمل كده في أبوكي وفيها! أرجوكي ما تحبسنيش، خدي كل حاجة وسيبيني أعيش! افتكري إننا كنا في يوم أزواج!”
ندى سحبت رجلها بهدوء وقسوة، وابتسمت ابتسامة هادية جداً وقالت له:
“الزوج اللي يسرق مراته ويهينها ويطردها في الشارع، ملوش عندي غير السجن يا جاسر. الحقوق ما بتتنسيش.. وأنا مش جاية أتفاوض، أنا جاية أفرّجك على نهايتك.”
سمعوا صوت سرينات بوليس قوية جداً برة الفيلا، وأنوار عربيات الشرطة كانت بتنور وتطفي عبر الشبابيك الزجاجية.
دخل ضابط شرطة معاه قوة، وبص لعاصم وندى ونزل نظره لجاسر المرمي على الأرض:
“أستاذ جاسر الألفي؟ معاك أمر ضبط وإحضار من النيابة العامة بتهم التزوير، والنصب، والاستيلاء على أموال الغير، والشروع في إفلاس شركات.”
جاسر بص لندى وعاصم برعب، وجالهم إحساس إن الدنيا كلها بتنتهي. الظابط حط الكلبشات في إيديه وسحبه وهو بيصرخ ويبكي:
“ندى! سامحيني يا ندى! عاصم بيه أغيثني!”
لكن ندى وعاصم وقفوا جنب بعض، وندى حطت إيدها في إيد عاصم ومسكت فيها بقوة، وبصوا لجاسر وهو بيتسحب لبرة الفيلا زي المجرمين.
أول ما جاسر خرج، ندى اتنهدت تنهيدة طويلة كأنها بتطرد كل وجع السنين اللي فاتت من صدرها، وعاصم مال عليها وحضن كتفها وقال بحنان:
“كده حقك رجع بالقانون يا ندى.. والراجل ده هيتربى في السجن على كل لحظة وجع سببها لك.”
ندى بصت لعاصم وعيونها لمعت بدمعة هادية، بس هالمرة كانت دمعة راحة:
“حق أبويا وحقي رجع يا عاصم.. بس اللعبة لسه ما خلصتش. دينا ومحامي جاسر كانوا شركاء في التزوير، ومش هأرتاح غير لما أشوف الشبكة كلها محبوسة.”
ابتسم عاصم بثقة وقال:
“وده اللي هيحصل بكرة الصبح.. المعركة لسه فيها جولة أخيرة.”
خرجت الشمس في الصباح التالي لتكشف عن حجم الدمار الذي لحق بإمبراطورية “الألفي”. الصحف والجرائد والمواقع الإخبارية لم يكن لها حديث سوى عن سقوط رجل الأعمال الشاب جاسر الألفي، وصورة الكلبشات في يديه وهي تزين الصفحات الأولى، مترافقة مع تقارير تفصيلية عن تحالف “الشريف والشهابي” الذي استعاد الحقوق وأغلق أبواب الشركات في وجه المحتالين.
في مقر النيابة العامة، كان جاسر يجلس على كرسي خشبي متهالك في غرفة التحقيق، بذلته الفاخرة أصبحت مجعدة ومتربة، وجهه شاحب وعيناه تحتها هالات سوداء عميقة من أثر الليل الطويل الذي قضاه في الاحتجاز.
دخل الأستاذ مدحت، المحامي الخاص به، وكان يلهث ووجهه يعرق بغزارة، يحمل في يده حقيبة أوراق منتفخة.
قفز جاسر من كرسيه وصرخ بلهفة ورجاء:
“مدحت! عملت إيه؟ خرجني من هنا! يدفعوا أي كفالة، يضمنوني بأي ضمان! أنا مش قادر أقعد هنا ساعة واحدة كمان!”
جلس مدحت على الكرسي المقابل وهز رأسه بأسى ويأس:
“كفالة إيه يا جاسر بيه؟! الموضوع خرج من أيدينا تماماً! عاصم الشريف جاب طاقم مستشارين قانونيين دوليين، ومعاهم ملف كامل فيه تسجيلات بالصوت والصورة، ووثائق تثبت التزوير بالدليل القاطع. والمصيبة الكبرى إن الممرضة اللي كانت شاهدة على بصمة أبو ندى وهي في الغيبوبة، اعترفت في النيابة وسجلت اعتراف كامل وأخدت حماية شهود!”
سقط جاسر على الكرسي وجسده يرتجف:
“الممرضة اعترفت؟! إزاي؟ أنت مش قايلي إنك دفعت لها مليون جنيه عشان تقفل بقها وما تتكلمش أبداً?!”
في هذه اللحظة بالذات، انفتح باب الغرفة، ودخل رئيس النيابة ومعه اثنان من الضباط، وقبل أن يتكلم أحد، دخلت دينا وهي تصرخ ومكبلة بالحديد في يديها بين شرطيتين!
جاسر اتسعت عيناه بصدمة: “دينا?!”
دينا أول ما شافت جاسر، هجمت عليه كالمجنونة ولولا الشرطيتين لمسكت في رقابته، وصرخت بصوت هيستيري هز جدران الغرفة:
“أنت السبب يا مجرم! أنت اللي ورطتني! يا سيادة وكيل النيابة والله ما لي ذنب! هو اللي قالي نزوّر البصمة وهو اللي خطط لكل حاجة عشان يسود عيشة ندى وياخد ورثها! أنا مجرد زفتة اتجوزته وما كنتش اعرف إنه بيزور!”
رد عليها جاسر بصرخة أشد وهو بيقف ويبص لها بحقد:
“أنتِ كذابة يا رخيصة! أنتِ اللي اقترحتي عليا الفكرة! أنتِ اللي كنتِ عاوزة الفلوس والقصور والألماس! أنتِ اللي قلتي لي أبوها بيموت في المستشفى والفرصة مش هتتعوض!”
ضرب رئيس النيابة بيده على الطاولة بقوة وصاح بصرامة:
“اسكتوا أنتوا الاتنين! المهزلة دي تنتهي حالاً!”




