
رنة الجرس الطويلة والمستفزة كانت بتهز أركان الشقة، زي على الباب. كريم هجم ناحية الباب ووشه أحمر من الغضب، بس منى مسكت إيده بأسلوب حاسم وقفت قدامه: “استنى يا كريم… لو طلعت له وأنت ثائر كده، هيعرف إنه قدر يربكنا. سيبني أنا أفتح.”
الحاجة نادية قامت وقفت وسندت على عصايتها، بصت لمنى بنظرة فيها تقييم أخير وقالت بصوت واطي: “أنتِ قدها يا منى؟ عماد لسانه زفر ومش بيحترم حد.”
منى هزت رأسها بثقة، عدلت طرحتها، ومشت بخطوات ثابتة للباب. فتحت الباب على وسعه، ووقفت قفلة حازمة سادة الفتحة بجسمها.
كان واقف برة راجل في أواخر الأربعينات، ملامحه هربانة منها البراءة، يرتدي بدلة غالية بس شكلها مش مظبوط عليه، وعلى وشه ابتسامة صفرا مستفزة. عينه جابت منى فوق وتحت باستهزاء.
عماد بنبرة تهكمية: “أهلاً… أنتِ بقى السنيورة منى؟ بنت عم سعيد السواق؟ خطوة عزيزة يا هانم. وطي صوتك وادخلي جوة ناديلي كريم ولا الحاجة، مش فاضي دي.”
منى ما اتهزتش، ولا رمش ليها جفن. فضلت واقفة مكانها وبصت له بكل برود وقالت بصوت هادي وثابت هزّ ثقته في ثانية:
“أولاً… عم سعيد السواق ده جاب قرشه بالحلال وشقاه، وعلمني أقف قدام أي حد عيني في عينه وأنا مرفوعة الرأس. ثانياً… البيت ده بيتي، والشقة دي باسمي ومكتوبة في الشهر العقاري. يعني لما تيجي تخبط على بابي، تتكلم بأدب وتسلم بوجاهة، ولا فاكر إنك داخل حوش ؟
عماد ابتسامته اتجمدت على وشه، والشرار طلع من عينيه. دفع الباب بإيده عشان يدخل بالعافية، بس كريم ظهر من ورا منى ومسك إيد عماد بقوة وعصرها: “إيدك ما تتمدش، والباب ده ما تدخلوش غير لما صاحبته تسمحلك!”
عماد شد إيده بعصبية ودخل الصالة وهو بيضحك بضحكة عالية ومستفزة: “يا سلام! بقى حتة بنت خياطة وسواق هي اللي تمشي كلامها على عيلة العطار؟ إيه يا أمي؟ بقى دي اللي عملتي عشانها القصة دي كلها؟ قعدتيني في السجن عشان أحمي اسم العيلة، وجايبة دي تسجلوا باسمها الشقة والأصول؟”
الحاجة نادية اتكلمت بصوت زي الرعد: “سجنك كان بسبب طمعك وقذارتك يا عماد! أنت اللي بعت أصول الشغل ودخلت في غسيل أموال. ومنى أجدع منك ومن أي حد فاكر إن الفلوس هي اللي بتعمل البني آدم. عايز إيه يا عماد؟ اخلص!”
عماد قعد على الكرسي وحط رجل على رجل، وطلع ملف أوراق من شنطته ورمائه على الترابيزة:
“عايز حقي! أنا عرفت إن كريم مسجل باسم منى أسهم وركود بنكي بـ 4 ملايين جنيه، غير الشقة دي. الأوراق دي دعوى حجر مستعجلة، ودعوى بطلان تصرفات بعقود صورية. أنا رافع القضية بكرة الصبح، والبنك هينزل حظر على كل الحسابات. يا إما تنازلوا عن الأسهم والشقة ليا، ونحلها ودي… يا إما نتقابل في المحاكم وهفضحكم في السوق، وهخلي المحامي ينزل بأصل وفصل السنيورة في كل الجرايد!”
كريم كان هيهجم عليه، بس منى وقفت في النص، مشت ببطء ناحية الترابيزة، وشالت ملف الأوراق اللي رمائه عماد. رفعت الورق وقرأت العناوين بعينيها بسرعة، وبعدين ابتسمت ابتسامة خفيفة شلت حركة عماد.
منى: “أنت فاكر إنك ذكي يا أستاذ عماد… بس للأسف، طمعك عمى عينك عن التفاصيل.”
عماد استغرب وقام وقف: “تفاصيل إيه يا شاطرة؟ دي عريضة دعوى مكتوبة عند أكبر مستشار في البلد!”
منى مسكت ورقة منهم وشاورت عليها بصباعها: “أولاً… الدعوى دي مبنية على إن التصرفات تمت وأنت محجور على تصرفاتك أو إن الحاجة نادية غير بكامل أهليتها. بس أنت نسيت إن كل نقل للأسهم أو للشقة تم من 3 سنين، يعني في الوقت اللي أنت كنت فيه جوة بتنفذ عقوبتك وبحكم نهائي، والحاجة نادية كانت بتدير الشركات بنفسها وبتقرير طبي رسمي مثبت في الحفظ.
ثانياً بقى… وده الأهم…”
منى فتحت درفة المكتب الصغير اللي جنبها، وطلعت الفولدر الأسود اللي كريم كان مخبيه، وطلعت منه ورقة معينة ورفعتها في وش عماد:
“الـ 8 آلاف جنيه اللي كنت فاكراهم قسط الشقة؟ كريم ما كانش بيحطهم في حساب عادي. كريم كان بيحولهم باسم شركة حراسة خاصة باسمي أنا! والأسهم اللي أنت جاي تطالب بيها، المحامي بتاع العيلة نقل ملكيتها بصفة ‘هبة مشروطة’ لا ترجع فيها الشريعة، ومسجلة ومختومة من هيئة الاستثمار من سنتين! يعني بالقانون يا بطل… الأوراق دي ما تبلش حتى !”
عماد وشه اتغير وبقى زي الجثة، بص لكريم وبعدين لأمه بذهول: “أنتوا… أنتم ترتيبكم ده كان من زمان؟”
الحاجة نادية وقفت وبصت لعماد بقسوة: “أنا عارفة طينتك يا عماد من يوم ما اتولدت. كنت عارفة إنك يوم ما تخرج هتيجي تهجم على أخوك وتستغل إن مراته غلبانة. عشان كده سبت منى تعيش 3 سنين فاكرة نفسها فقيرة، عشان لو أنت جيت ورراقبتنا، تفتكر إن كريم مفلس وما حلتوش حاجة، لحد ما الأوراق القانونية تتقفل بالضبة والمفتاح وينتهي تاريخ صلاحية !”
عماد بدأ يعرق، النظرة الفرعونية اللي دخل بيها اختفت تماماً، وأدرك إنه وقع في فخ اتنصب له بذكاء شديد على مدار سنين.
عماد بص لمنى بغل: “أنتِ… أنتِ مش سهلة يا بنت سعيد. فاكرة إنك كسبتي؟ أنا مش هسيبكم، وهعرف أوجعكم من الحتة اللي تخصكم!”
منى قربت منه بضع خطوات، وبصت له بثبات يكسر العظام: “بأهلي؟ بأبويا السواق وأمي الخياطة؟ أنزل وسلّم عليهم لو تقدر، أبويا اللي علمنا ما نخافش غير من اللي خلقنا، لو شافك على أول الشارع هيعرف يتعامل معاك بأسلوبه! وأنا مش بس كسبت يا عماد… أنا أثبت لأمي الحاجة نادية إن اختيار ابنها صح، وإن الشقة والأسهم والـ 400 ألف جنيه اللي وصلوا حساسي النهاردة، بقوا في إيد ست تعرف تحمي بيت جوزها وتوقف أمثالك عند حدهم!”
عماد مسك أوراقه بغضب، زق الكرسي، وخرج وهو بيرزع الباب وراه برزعة هزت السلم كله.
الصمت نزل على الشقة. كريم اتنفس براحة كأنه كان مكتوم تحت المية، وبص لمنى ودموعه نزلت: “أنا… أنا مش مصدق اللي عملتيه يا منى. أنتِ جبتِ القوة دي كلها منين؟”
الحاجة نادية قربت من منى، مسكت إيدها وحطت فيها مفتاح قديم فضي، وقالت بصوت مليان فخر ودعاء:
“القوة دي قوتنا إحنا يا بنتي… قوة ست أصيلة حمت بيتها. المفتاح ده مفتاح الخزنة الرئيسية لشركة العيلة. من النهاردة، أنتِ مش بس مراد كريم… أنتِ الشريكة والكلمة الأولى والأخيرة ليكي مع كريم.”
منى بصت للمفتاح، وبعدين بصت لكريم، وحست إن كابوس الـ 3 سنين انتهى، بس حست في نفس اللحظة إن الحكاية لسة ما خلصتش… لأن نبرة الصوت اللي عماد قال بيها “هعرف أوجعكم من الحتة اللي تخصكم” ما كانتش مجرد تهديد في الهواء.
منى بصت لكريم بقلق: “كريم… تفتكر عماد ممكن يوصل لأبويا وأمي في المنطقة؟”
سؤال منى نزل على الصالة زي نقطة مية باردة فوق زيت بيغلي. كريم ما استناش، مسك موبايله بسرعة واتصل على عم سعيد، والد منى. التليفون يَرن… يَرن… وما حدش بيرد.
منى قلبه المقبوض أصلاً اتعصر أكتر، أيديها بدأت ترتعش تاني وهي بتتخيل عماد بشرّه وبغله رايح لمنطقة شعبية زي حارتهم، يستغل طيبة أبوها أو بساطة أمها عشان ينفذ تهديده.
“ما بيردش يا منى… جربت مرتين!” كريم قالها وهو بيتجه ناحية الجزامة عشان يلبس جزمه ويطلع.
الحاجة نادية اتكلمت بصوت فيه حكمة وحزم: “استنى يا كريم! عماد مش عبيط عشان يروح ولا ينط على بيت أبوها بالدراع. عماد حية تتسحب في الضلمة… في أكل عيشهم أو في سمعتهم، وهيعملها بالقانون أو بالافتراء اللي بيتقنه.”
في اللحظة دي، موبايل منى رن. اسم المتصل: “أمي الحبيبة”.
منى خطفت الموبايل وفتحت المايك بصوت مبحوح: “ألو… أيوة يا أمي! بابا فين؟ أنتم كويسين؟”
صوت أمها أجاها متوتر، وفي الخلفية كان فيه دوشة زحمة وصوت سرينة عربية شرطة:
“حقك علينا يا بنتي… أبوكِ في الكاراستين (الموقف). فيه ناس جم وتبلو عليه وقالوا إنه خبط عربية بنز حديثة بالميكروباص بتاعه وهرب، وظابط المرور واخد أبوكِ دلوقتي على القسم! وأبوكِ حلف ميت يمين إنه ما لمسش العربية، بس صاحب العربية جايب معاه شاهدين ورجالة شكلهم يخوف!”
منى بصت لكريم والحاجة نادية، وتأكدت إن عماد بدأ اللعبة المليانة قذارة. عايز يكسر نفس أبوها، ويجرهم للقسم عشان يقايضهم: التنازل عن المحضر مقابل التنازل عن الشقة والأسهم!



