روايات وقصص

حكايات امانى 2

أحمد بلع ريقه وقال بصوت فيه حرقة: “أمي وإخواتي اتشططوا على بعض من بعد ما مشيتي، وكل واحد شاف روحه، وأنا قعدت مع أمي وقاتلها بالحرف: مراتي مش خدامة عند حد، واللي مش هيحترمها، مايلزمنيش دخوله بيتي أصلاً.. إيمان، أنا عرفت قيمتك لما خسرتك.. رجعي بيتك وكوني ملكة فيه، ومحدش يقدر ينطق بكلمة واحدة تزعلك.”
قمت من مكاني بهدوء، ومشت لحد ما وقفت قدامه، بصيت في عيونه كويس.. عيون كان فيها الندم الصادق لأول مرة. أخدت نفس عميق، وقلت له بصوت هادي وواضح: “الشقاوة والتعب مش عيب يا أحمد، العيب إن اللي يفترض يكون سندك، يكون أول واحد يبيعك عشان يضحك الناس عليك. أنا راجعة بيتي.. بس راجعة كـ زوجة مصانة وملكة في بيتها، مش شغالة لحد.. ومش هقبل نص كلمة تمس كرامتي تاني.”
أحمد هز راسه بسرعة ودموعه لمعت في عيونه وقال: “حقك على راسي.. المهم ترجعي، البيت من غيرك كان عتمة.”
رجعت بيتي تاني.. بس مش الست الطيبة اللي بتجري وتجري لحد ما تقع، رجعت الست اللي عرفت قدر نفسها، واللي علمت الكل إن الكرامة خط أحمر. شيماء وسارة بقوا يعدوا من قدام بابي بحساب، وحماتي بقت تحسب لكل كلمة ألف حساب قبل ما تقولها.
بس القصة.. لسه فيها فصل أخير!

مرت شهور على رجوعي لبيتي الجديد.. الشقة بقت هادية ومستقرة، وبقت مملكتي الخاصة اللي مفيش مخلوق يقدر يدخلها أو يتحكم فيها إلا بإذني. أحمد اتغير تماماً، بقى بيقف في صفي حتى قدام أمه، وفهم أخيرًا إن احترام مراته من احترام نفسه ومقام قدام الناس كلها.
أما بيت حماتي.. فكان حكايته حكاية ثانية خالص!
من بعد ما مشيت وسيبت البيت، النظام القديم اللي كان قايم على استغلالي انهار تماماً. شيماء وسارة، اللي كانوا قاعدين حاطين رجل على رجل وبيأمروا وينهوا، اتحولو لخصوم الدود لبعض؛ كل واحدة بقت ترفض تخدم حماتي أو تعمل لعيال سلفها، والمشاكل والخناقات بقت طالعة نازلة على السلالم، لدرجة إن البيت اللي كان دايماً ملان ضحك وسخرية على تعبي، بقى عبارة عن خناقة يومية ملهاش أخر.
لحد ما جه يوم جمعة.. ولقيت باب الشقة بتاعي بيخبط خبطات خفيفة ومترددة.
فتحت الباب، وكانت المفاجأة.. حماتي (عواطف) كانت واقفة قدامي، وشها مطاطي في الأرض، وملامحها باين عليها التعب والكسرة، وماسكة في إيدها طبق صيني فيه صينية كنافة لسه سخنة.
بصيت لها بهدوء من غير ما أتكلم، وهي بلعت ريقها وقالت بصوت مكسور مكنتش أتخيل في يوم أسمعه منها: “مساء الخير يا إيمان.. معلش يا بنتي، عارفة إن جيتي في وقت متأخر، بس.. بس جيت أقولك حقك عليا.”
سكت حماتي لحظة، ودموعها لمعت في عيونها وهي بتكمل: “أنا عرفت قيمتك بجد لما البيت اتقفل عليا، وعرفت إن اللي عملناه معاكي كان ظلم كبير.. سلايفك طلعوا ما حدش فيهم بيتحمل مسؤولية، وكل اللي كان يهمهم القعدة والكسل، وأنا.. أنا كبرت وما بقيتش قادرة على شقا البيت.”
بصيت للطبق اللي في إيدها، وبعدين بصيت في عيونها، وحسيت إن الكبرياء القديم طار وبقى تراب. مكنش هدف أبداً إني أذل حد ولا أشمت في حد، كان كل اللي عايزاه احترام, والعدل.
ابتسمت ابتسامة خفيفة، وفتحت الباب على الآخر وقلت بصوت هادي ودافئ: “تنوري يا ماما عواطف.. تعالي ادخلي، القهوة المظبوطة اللي على أصولها لسه معمول حالا، وشغل البيت والخدمة دي للمحبين والناس الغاليين، مش للغريب.. بس بعيداً عن الشغل، اعتبري نفسك قاعدة في بيتك مكرمة مرفوعة الراس، بشرط واحد.. إن الكرامة خط أحمر للجميع.”
حماتي دخلت وحضنتني، ودموعها نزلت وهي بتقول: “ربنا يباركلي فيكِ يا بنتي.. طلعتِ أحسن وأجدع منهم كلهم ألف مرة.”
أما شيماء وسارة.. فمن يومها بقوا يبصوا لي من بعيد باحترام وخوف مستخبين في نظراتهم، وفهموا إن الست اللي بتعرف تخدم بحب، بتعرف برضه تجيب حقها بكرامة وقوة وماتقبلش بالظلم ابداً.
قفلت باب شقتي بالليل، وأنا باصة لنفسي في المراية، وحسيت بسلام عميق جوه روحي.. الكرامة مش بيتعوض بكنوز الدنيا، واللي يحترم نفسه، الكل غصب عنه هيحسب له ألف حساب.

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى