
“بتخيرني يا محمود؟ بين بيتي وشقايا وعرق أبويا، وبينك؟”
محمود فهم نبرتها على أنها بداية استسلام، فرفع دقنه بغرور وقال بحدّة: “مش هقولهالك تاني يا مريم، الساعة تجري، والمحامي تحت مستني، والموضوع أسهل بكتير من لوي الدراع اللي إنتي عملاه ده.”
مريم التفتت لحماتها اللي كانت بتعدل طرحتها بابتسامة نصر خبيثة، وبعدين بصت لحمادة اللي كان لسه حاطط رجل على رجل وبيلعب في الموبايل، وقالت بصوت عالي ومسموع:
“عندك حق يا حماتي.. المحامي قاعد تحت في العربية صح؟ ومعه عقد التنازل؟”
حماتها نطت من مكانها بلهفة وفرحة مدعية وقالت: “أيوا يا ضنايا، اهو ده الكلام اللي يفتح النفس، انزلي هاتيه يا بنتي ولا اطلعي ناديه، وخلصي خلينا نروق ونرتب العفش.”
مريم رفعت إيديها وقاطعتها بنبرة حاسمة وصارمة: “استنى عندك.. المحامي ينزل فعلاً، بس مش عشان يكتب عقد تنازل.. المحامي ينزل عشان يكتب محضر إثبات حالة باقتحام مسكن، وبلاغ رسمي في الشرطة بطرد ناس غريبة دخلت شقتي بدون وجه حق، وبسرقة واستيلاء على ممتلكات خاصة!”
الصالة كلها اتجمدت في ثانية واحدة. الضحكة اختفت من على وش حماتها، ومحمود اتفاجأ لدرجة إنه اتنقل خطوة لورا ووجهه اصفر، وحمادة ساب الموبايل من إيده ووقف مره واحدة وعينيه طايرة من الصدمة.
حماتها صرخت بصوت عالي وهي بتلطم على خدودها: “يا نهار أسود ومسخمط! إنتي اتجننتي يا مريم؟ عايبة تدخلي البوليس لأهل جوزك؟ هتبلغي عننا وعن اخوه؟ إنتي قلبك حجارة ولا إيه؟”
محمود جرى عليها ومسك دراعها بعنف وزعق لدرجة عروقه بارت في رقبته: “إنتي اتجننتي رسمي! بوليس إيه ومحضر إيه يا فاجرة؟ إنتي بتهددي أهلي؟ طب قسماً بالله لو ما بلعتي الكلمة دي، لكون ممرمطك في المحاكم ومرجعك على بيت أبوكي مطلقة ومهانة!”
مريم زقت إيده بقوة وعنف مكنش متوقعه منها خالص، وقفت شامخة وطولها بان، وبصت له بندية وقالت: “فاجرة؟ عشان بدافع عن حقي وحق أبويا اللي مات وسبمني سند؟ وإنت.. راجل؟ اللي بتبيع مراتك وبتقف مع أهلك عشان تطردني من بيتي؟ تسمعني كويس يا محمود.. الشقة دي بتاعتي، باسمي، ومحدش يقدر ياخد فيها خطوة واحدة غير بإذني. وإذا كان عاجبك إن أهلك يقعدوا، فهم يقعدوا في بيتك اللي إنت مؤجر ليه أو على حسابك، مش على حساب تعبي ومكتبي.”
حماتها وقفت ودموع التمساح نزلت على خدودها بغزارة، وبدأت تمثل الانهيار وتقول لمحمود بغل: “شايف يا محمود مراتك بتكلمني إزاي؟ دي بتطردنا في الشارع واحنا عتبتنا لسه مخرجتش من الباب! عريس أخوك يفضحوه في الحارة عشان الهانم متكبرة بفلوسها! طلقها يا محمود، اللي مفيش فيها أصل وخير لأهل جوزها مفيش فيها خير ليه!”
محمود اللي غروره وجرح رجولته المزعومة أمام أهله سيطروا عليه تماماً، مبقاش شايف قدامه. طلع فونه بسرعة، وفتح الكاميرا ووجهها في وش مريم وقال بصوت مسعور:
“خلاص يا مريم، إنتي اخترتي.. اعتبري نفسك طالق تلاتة، والكلمة اللي قولتيها هتدفعي ثمنها غالي أوي، وشنطتك فوق شقتك “القصر” هتجيلك مع شنط أهلي!”
مريم مدمعتش ولا دمعة واحدة، بالعكس، ابتسمت بتهكم وقالت:
“طلقي؟ يا راجل ده أنا اللي كنت ناوية أكتبلك ورقة الطلاق بمد ايدي من زمان بس كنت صابرة عشان العيش والملح. طلقني يا محمود، واعتبر نفسك بره حياتي من اللحظة دي.. بس اسمع مني الكلمة دي كويس، الشقة دي والله لو قعدتوا فيها دقيقة واحدة، لهطلعكم منها بالكلابشات وفي عربية الحراسة، ومحامي مين اللي تحت؟ خليه يطلع يشرب الشاي، عشان هيلاقي نفسه محضر رسمي في القسم.”
حماتها وشها جاب ألوان، ولقت إن المخطط كله بيكسر على دماغهم، وإن مريم مش البنت الضعيفة اللي هتنكسر كلمتها. بصت لمحمود وقالت بصوت متمتم: “محمود.. هي شكلها مش ناويها على خير، والناس اللي بره هتشمت فينا.. كلم المحامي خليه يمشي، وإحنا مش هنقعد في بيت وحدة متكبرة.”
محمود كان بيبص لمريم وعينيه مليانة حقد وغل، مريم سابتهم في الصالة، دخلت أوضتها بهدوء تام، جابت شنطة صغيرة حطت فيها أوراقها الشخصية ومفتاح الشقة الجديدة اللي لسه موظباها، وخرجت قدامهم وهي باصة لكل واحد فيهم بنظرة احتقار أخيرة.
وقفت عند باب الشقة المفتوح، وبصت لمحمود وقالت بصيغة نهائية:
“الورقة توصلني على الشقة الجديدة يا أستاذ محمود.. ومبروك على حمادة عروسته.. وبالمناسبة، الشقة القديمة مقفولة، ولو لقيت قفلها اتكسر، المحضر مستنيكوا على مكتب رئيس المباحث.. سلام.”
نزلت مريم السلم بخطوات ثابتة وقوية، قلبها كان بينبض بحرية لأول مرة من سنين. ركبت عربيتها، وسابت وراها بيت هدمه الطمع والظلم، وراحت على شقتها الجديدة، وهي عارفة كويس إنها فتحت صفحة جديدة تماماً بعيد عن أي حد ممكن يكسر عينها في يوم.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”


