
قعدت في مكاني مش قادرة أنطق بحرف واحد. الكلمات كانت واقفة في زوري كأنها شوك، وكل جملة قالها سليم كانت بتردد في وداني زي طلقات الرصاص. ذهب اللي كنت فرحانة بيه، الشقة الواسعة، الفلوس.. كله اتحول في عيني لكتلة تراب.
سليم دخل أوضة النوم وقفل الباب وراه، وأنا فضلت قاعدة في الصالة لوحدي، عيوني تايهة في الفراغ ودموعي نازلة بصمت. لأول مرة أحس بحجم الكبر والغرور اللي كنت عايشة فيه. ندا.. الست الغلبانة اللي بتشتغل في البيوت، اللي جابت تذكرة السفر لجوزي عشان يبني نفسه ومستقبله، واللي المفروض أكون سند ليها، كنت أنا سبب قهرتها وجرحها.
بعد ساعة تقريباً، حسيت بحركة جوه الشقة. الباب اتفتح، وخرج سليم وهو ماسك شنطة هدوم خفيفة لندا وبنتها حنان، وكان في إيده التانية تليفونه. بص لي نظرة أخيرة خالية من أي مشاعر، وقال بصوت حاسم:
ـ أنا نازل أجيبهم.. ولما أرجع، مش عايز أسمع صوتك العالي، ولا طريقتك دي مع حد فيهم. البيت ده هيتفتح ليهم، وحنان هتكمله تعليمها وغصب عن الكل، ولو مش طايقة عيشة معانا، الورق كله أهو، اعملي الليريحك.
سابني ونزل، وقفلت الباب وراه. حسيت إن روحي بتتسحب مني. جريت على المراية، بصيت لنفسي، ومقدرتش أتحمل أشوف الست المتعجرفة اللي جوه المراية دي. لأول مرة في حياتي أحس بالندم الحقيقي.. ندماً بياكل في قلبي وضميري.
تاني يوم الصبح، فتحت عيني على صوت حركة بره في الصالة.
قمت بخطوات بطيئة، وفتحت باب أوضتي بحذر. لقيت ندا قاعدة على الكرسي اللي في الصالة، وبنتها حنان واقفة جنبها مكسوفة وخايفة. وش ندا كان باين عليه التعب والإرهاق، وسليم كان واقف بيحضّر لهم شاي.
أول ما ندا شافتن, بصت لي نظرة خلتني أحس أني أصغر من النملة. ما كانش في عيونها أي حقد ولا شماتة.. بالعكس، كان فيها عتاب هادئ يوجع أكتر من الضرب.
قربت منهم بخطوات بطيئة، وجسمي كنه بينفض. وقفت قدام ندا، ولقيت نفسي غصب عني بنزل على ركبي قدام كرسيها، ومسكت إيديها وبستها وأنا منهارة في العياط بصوت عالي:
ـ سامحيني يا ندا.. سامحيني يا أختي.. أنا كنت عمياء.. كنت شيطانة بفلوسي ودهبي.. أنا مكنتش أستاهل ضحكتك ولا وقفتك مع جوزي زمان!
ندا اتفاجأت من رد فعلي، وعيونها دمعت. مدت إيديها بحنان هز قلبي، ورفعت راسي وقالت بصوت دافئ:
ـ قومي يا سلمى.. قومي يا أختي. الشيطان كان شاطر، والفلوس والدنيا عمتك، بس أنا عمري ما زعلت منك لشخصك.. أنا حسيت بيكي، وعارفة إنك كنتِ خايفة على بيتك وعيالك. اللي فات مات، وأنا مسامحاكي.
حضنت ندا وفضلت أعيط في حضنها زي الأطفال، وحنان قربت وحضنتنا هي كمان. في اللحظة دي، حسيت إن السواد اللي كان في قلبي انقشع، ورجعت لي روحي من تاني.
سليم وقف بعيد وبص لنا بابتسامة خفيفة مريحة، وقال:
ـ الحمد لله إن العقل رجع لمكانه.. ويلا بينا بقى عشان نفطر كلنا سوا، وحنان تبدأ تزهب دروسها ومستقبلها، ومفيش حد هيتحرم من حلمه تاني أبداً.
قعدنا كلنا على سفره واحدة، ولأول مرة من سنين طويلة أحس بطعم الأكل وبسعادة حقيقية.. سعادة مش باينة في الدهب والفلوس، بل في القلوب الصافية والسماح اللي بيجمعنا.



