
انحنيت أمسح إيد بنتنا وقلت بهدوء:— لكن أنا شايفة إنه ضروري.فضل باصص لظهري.وأنا ما لفيتش ناحيته.
في الشهر التالت، المدرّب الرئيسي في الدورة راجع مشروعي وفضل يتأمله وقت طويل.
كان واحدًا من أكبر المتخصصين في مجال التصميم المعماري، وحاصلًا على جائزتين مهمتين.بعد المحاضرة سألني:
— إنتِ اشتغلتي قبل كده في مشروعات حقيقية؟
— أيوه، اشتغلت لمدة سنتين بعد التخرج.
— وبعدين؟
— اتجوزت.
ما سألش أكتر…في اليوم اللي بعده، جه كلمني وقت الاستراحة.
— ممكن أتكلم معاكي؟
— طبعًا.قال:— عرضت اقتراحك الخاص بتوزيع المساحات في الفندق على مجموعة من زمايلي.
اتصدمت وسألته:— بجد؟
رد:— كلهم قالوا نفس الكلام… واحدة عندها إحساسك بالمساحات ماينفعش تفضل محبوسة في البيت.
مسكت الكوباية الورق بين إيديا بقوة.
فكمل كلامه:— فيه مشروع كبير لتجديد شارع ثقافي قديم، والفريق الاستشاري محتاج ناس موهوبة. هل تحبي تنضمي لينا؟
في الليلة دي، لما رجعت البيت، كان جوزي قاعد بيتفرج على الماتش.
حطيت شنطتي، ودخلت المطبخ علشان أسخن العشا.
وأثناء ما طبق الأكل كان بيلف جوه الميكروويف، وقفت قدام الشباك وبصيت للّيل.
شفايفي ما اتحركتش…لكن جوايا، كان فيه شيء بدأ يصحى من جديد.
في اليوم التالي، بعتّ للمدرّب رسالة:«أنا عايزة أحاول.»
رد عليّا بكلمتين:«تعالي يوم الأربعاء.»
وفي يوم الأربعاء… كان جوزي لسه فاكر إني مجرد زوجة غير مرئية، وقّعت أول ورقة في المشروع اللي كان هيغير حياتي كلها.
بين الصمت الطويل الذي فرضته على جدران البيت، وبين دقات أصابعي السريعة على لوحة المفاتيح الجديدة، كانت الأيام تمر كأنها ساعات، أو كأن عقارب الساعة نفسها أدركت أن الوقت قد حان لتتغير وتيرتها.
يوم الأربعاء، بعد أن وقعت على عقد الانضمام للفريق الاستشاري لمشروع تجديد الشارع الثقافي، خرجت من مكتب المحاضر الكبير وأنا أحمل في حقيبتي نسخة من التصاميم الأولية. الهواء الخارجي بدا مختلفاً، كأنني كنت أتنفس تحت الماء طوال السنوات الماضية، وخرجت أخيرًا لأملأ رئتي بالهواء الطازج.
رجعت إلى البيت متأخرة بعض الشيء. كان المطبخ مظلماً، ورائحة القهوة الباردة تفوح من الفنجان الذي تركه زوجي على طاولة الصالون بجوار جهاز التلفزيون المفتوح على قناة إخبارية لا أحد يتابعها.
دخلت بهدوء، وجدت ابنتنا نائمة في فراشها، غارقة في أحلامها، وشعرها المرتب يخلو من أي عقد. أما هو، فكان نائماً على الأريكة، وقد سقطت ريموت كنترول التلفزيون من يده على السجاد. اقتربت، ورفعت الريموت بهدوء، ووضعت الغطاء على كتفه، ليس من باب الحب القديم، بل من باب العادة الإنسانية البحتة التي تفصل بين التعاطف والتعلق.
تاني يوم الصبح، وأنا أعد الفطور لابنتنا، صحا وهو يفرك عينيه بصعوبة. دخل المطبخ، فتح ثلاجة المطبخ، وطلع زجاجة ميه باردة.
— رايحة فين النهاردة؟ سأل بصوت خشن من النوم.
رديت وأنا بصب الشاي في الكوباية:— راضية.. قصدي، عندي مشوار تخص الشغل.
وقف وابتسم بتهكم خفيف:— شغل إيه ده اللي ما بيخلصش؟ كل يوم والتاني نازلة. هو الفندق ده ما بينتهيش؟
بصيت له مباشرة، ولأول مرة من فترة طويلة، حسيت إني مش محتاجة أداري لمعة عيني أو أبرر له. قلت بكل ثبات:— لا، ده مشروع جديد. أكبر شوية.
ضحك بسخرية وهو بيشرب الميه:— طيب، بلاش تصدقي نفسك بزيادة. الشغل برة مش زي ما إنتِ متخيلة، ده عاييز ناس متفرغة، مش واحدة كل همها تفضل فاكرة معاد المدرسة والبيت.
ما ردتش. سبت الكوباية على الترابيزة، مسكت شنطتي، وناديت على بنتي:— يلا يا حبيبتي، عشان ما نتأخرش.
في الشغل الجديد، كانت البداية أشبه بالقفز في بحر عميق. الفريق كان بيتكون من خمس مهندسين ومصممين، كلهم أصغر مني سنًا بكتير، لكن خبرتي القديمة—التي ظننت أنها ماتت وماتت معها أحلامي—بدأت تتفتح كالورد في أول الربيع. المدرّب الرئيسي كان متابع خطوة بخطوة، وكان دايماً يقول لي: “إنتِ مش مجرد مصممة ديكور يا مدام، إنتِ بتعرفي تقرئي أرواح الناس من خلال المساحات اللي بيعيشوا فيها.”
أول اجتماع رسمي مع الشركة المالكة لمشروع الشارع الثقافي كان يوم السبت. كنت قاعدة في قاعة الاجتماعات الكبيرة، وسط ترابيزة خشبية طويلة عليها خرائط هندسية وكتالوجات ألوان. قدّمت رؤيتي لتوزيع المساحات المفتوحة بين المقاهي القديمة والمكتبات التراثية، وكيف ممكن نخلي المكان ينبض بالحياة من غير ما يفقد روحه التاريخية.
بعد ما خلصت عرضي، ساد الصمت لمدة ثوانٍ.. حسيت بقلبي بيدق بسرعة. لكن فجأة، رئيس مجلس إدارة الشركة ضرب كف على كف وقال بصوت عالي:— هو ده! ده اللي كنا بندور عليه بقالنا شهور!
رجعت البيت في اليوم ده، وحسيت أن الارض مش تايعة من تحتي. دخلت، ولقيت جوزي قاعد على نفس الكنبة، بيتفرج على نفس الماتش، وبجنبه علبتين أكل جاهز.
بصلي وقال من غير ما يلف راسه:— اتأخرتِ ليه؟ الساعة تمانية.
قلت وأنا بقلع الكوتشي:— كان عندي اجتماع طويل.
— اجتماع لحد الساعة تمانية؟ قاطعتيني تليفونياً تلات مرات، وما ردتيش.
— الموبايل كان على الصامت، كنت في اجتماع مهم.
سابه اللي في إيده وعدل قعدته وبص لي بغضب حقيقي:— هو إيه الحكاية بالظبط؟ هو إيه الشغل اللي بيخلي مراتي تتأخر للوقت ده؟ فهميني، إنتِ فاكرة نفسك بقيتي مين؟ مهندسة ديكور عالمية مثلاً؟
وقفت قدامه، وبصيت في عينيه مباشرة، من غير أي خوف أو تردد، وقلت بصوت هادي وثابت:— مش مهندسة عالمية.. بس أنا بعمل حاجة بحبها، وبتثبت نفسي فيها.
وقف على حيله، وطوله الطويل جه قدامي باحثاً عن ترهيبي:— البيت ده مش محتاج فلوسك، وأنا مش هقبل إن مراتي تسبني قاعد لوحدي وكل شوية نازلة رايحة مشاوير شكل خدامة عند الناس!
كلمة “خدامة” نزلت على وداني كأنها صفعة.. بس مش صفعة توجعني، صفعة صحتني على الحقيقة المرة: الراجل ده مش بس مش بيحبني، هو بيعتبرني قطعة أثاث في بيته، لو اتحركت من مكانها بتبوظ الديكور!
ابتسمت ببرود، ابتسامة ختارت كل معاني الخضوع القديم، وقلت بصوت واطي:— تصدق؟ أنا كمان ما بقتش أقبل أعيش بالطريقة دي.
في الأسبوع اللي بعده، بدأت أرتّب لخطوة تانية أعمق وأقوى. المشروع مع الفريق الهندسي اتطور، وبقى اسمي محفور على التصاميم الرسمية اللي اتنشرت في مجلة المعمار المحلية. المجلة اللي صدفة بحتة وقعت في إيد طليقي—عفواً، قصدي زوجpi—وهو في استراحة شغله.
اليوم ده، رجع البيت الساعة اتنين بالليل.
كانت الصالة مظلمة، ما عدا نور الأباجورة الصفرا الدافية. سمعت صوت الباب بيفتح بعنف، وجريت على الصالة عشان أشوف في إيه.
كان واقف في نص الصالة، رابطة عنقه مفكوكة على آخرها، ووشه أصفر وعينيه حمر، وفي إيده مجلة المعمار مفتوحة على الصفحة اللي فيها صورتي الكبيرة، وتحتها اسمي وتصريحي الصحفي عن مشروع الشارع الثقافي.
بص لي كأنه بيشوف شبح، وصوته كان بيترعش وهو بيرفع المجلة قدام وشي:— إيه.. إيه ده؟
بصيت للمجلة بهدوء، ورجعت بصيت لعينيه المصدومة، وقلت:— غلاف المجلة.. مش عاجبك؟ ولا عينيك احمرت من الصدمة عشان عرفت إن الست اللي كنت فاكرها مبتعرفش تعمل حاجة غير طلب الأكل وتشغيل الغسالة.. هي اللي صممت المشروع اللي الش البلد كله بيتكلم عنه؟
قرب مني خطوة وهو بيتنفس بصعوبة:— إنتِ.. إنتِ اتجننتِ؟ إزاي تعملي كده من ورايا؟ إزاي اسمك ينزل في المجلات وأنا آخر من يعلم؟
— وكنت هتستفيد إيه لو عرفت؟ كنت هتقولي كلام فارغ زي كل مرة، أو كنت هتمنعني.. بس الحمد لله، ما بقاش عندك سلطان تمنعني.
فتح فمه عشان يتكلم، لكن الكلمات هربت منه. رمى المجلة على الأرض بكل قوتها، ودخل أوضته وقفل الباب وراه بصوت هبدة جامدة هزت جدران الشقة.
تاني الصبح، صحيت بدري كالعادة. جهزت فطار بنتي، ولبستها هدوم المدرسة، وخدت شنطتي واللابتوب بتاعي.
قبل ما أفتح باب الشقة عشان أخرج، طلع من أوضته ووشه لسه مليان غضب ونوم مش منتظم. بص لي وقال بصوت حاد:— اخرة الطريقة دي إيه؟ إنتِ مفكرة نفسك رايحة على فين؟
بصيت له نظرة أخيرة، نظرة شخص أخير بيودع مكان قديم مابقاش يناسبه، وقلت:— رايحة المكان اللي يليق بيا.. مش المكان اللي يحبسني.
فتحت الباب، ونزلت على السلم بخطوات ثابتة ومسموعة، ورايا بنتي بتمسك إيدي وهي بتضحك، وأنا عارفة كويس إن الصفحة دي اتقفلت للأبد، وإن الباب اللي اتقفل ورايا ما عادش له مفتاح يفتحه تاني.


