روايات وقصص

حكايات رشا 1

«يا سارة، إحنا في الآخر عيلة واحدة. ساعدي مريم تعدي المرحلة دي، وبعد ما موضوع الجواز يستقر، أنا هتكلم مع أبويا وأفهمه إن الموضوع مينفعش يكمل بالشكل ده.»

سألته بحدة:

«وأكتر من عشرين ألف جنيه إيجار كل شهر؟ دي كمان مجرد مجاملة عشان يحافظ على شكل العيلة؟»

أحمد اتردد لحظة، وبعدين قال بمنتهى البرود:

«ما هي لو مريم خدت الإيجار فترة، مش هيحصل حاجة. إنتِ مرتبك كويس، ومش محتاجة الفلوس دي عشان تعيشي.»

حسيت إن الدم طلع لدماغي.

«يعني عشان أنا مش محتاجة الفلوس، أبقى أديها لغيري؟»

رد بسرعة:

«أنا مقولتش كده!»

«أمال بتقول إيه يا أحمد؟»

رفع صوته شوية وقال:

«هو لازم تحاصريني بالأسئلة دي في يوم زي ده؟!»

بصيتله بذهول.

«أنا اللي بحاصرك؟ يعني بعد كل اللي عملتوه، بقيت أنا السبب في المشكلة؟»

في اللحظة دي، باب القاعة اتفتح، وظهرت حماتي وهي بتبص لنا بقلق مصطنع.

«إنتوا لسه واقفين هنا ليه؟ أهل كريم مستنيين جوه، والناس بدأت تتكلم.»

أحمد أخد نفس طويل، وبصلي بنظرة تحذير.

«اسمعي، لما ندخل، متفتحيش موضوع الملكية تاني. خلينا نعدي الليلة من غير مشاكل.»

هزيت إيدي وخلصت نفسي من قبضته.

«احلم!»

دخلنا القاعة، ولقيت حمايا واقف بيرفع كوباية العصير، والكل باصص له.

ابتسم ابتسامة واسعة وقال:

«اللي حصل من شوية مجرد سوء تفاهم بسيط بين أفراد الأسرة، وده شيء طبيعي في أي بيت. لكن بالنسبة لموضوع المحل، أنا صاحب القرار في عيلتي.»

أم كريم بدأت تهدى شوية، وسألته:

«طيب، وإمتى هنقدر ننقل الملكية باسم مريم؟»

حمايا بصلي بطرف عينه، وبعدين رد بكل ثقة:

«بعد ما العريس والعروسة يتجوزوا، هنخلص الإجراءات المطلوبة.»

كنت لسه هتكلم، لكن أحمد ضغط على إيدي تاني تحت الترابيزة، كأنه بيحذرني إني أفتح بقي.

حمايا كمل كلامه:

«ومن أول الشهر الجاي، إيجار المحل هيتحول مباشرة لحساب مريم. الشباب في بداية حياتهم بيكون عليهم مصاريف كتير، ومبلغ أكتر من عشرين ألف جنيه كل شهر هيساعدهم جدًا.»

وبعدين ضحك وأضاف:

«اعتبروه مصروف شهري من أبوها وأمها لبنتهم.»

المرة دي أم كريم ابتسمت بارتياح واضح وقالت:

«ربنا يخليكم لبعض. واضح إنكم فعلًا بتدلّعوا بنتكم ومش بتبخلوا عليها بأي حاجة.»

مريم رفعت كوباية العصير وقالت بابتسامة واسعة:

«شكرًا يا بابا، ربنا يخليك ليا.»

وبعد ما خلصت كلامها، لفت ناحيتي، وبصتلي بنظرة انتصار واضحة، كأنها بتقولي إنها أخدت اللي عايزاه بالفعل، وإن اعتراضي مش هيغير أي حاجة.

سحبت إيدي من تحت إيد أحمد ببطء، وبصيت لحمايا وقلت بهدوء شديد:

«بابا، حضرتك متأكد إنك عايز تعمل كده فعلًا؟»

وشه اتقلب، وقال بحدة:

«البيت ده أنا صاحبه، ومش إنتِ اللي هتقرري نمشي فيه إزاي!»

هزيت راسي، وقلت:

«تمام يا بابا. بس ياريت تفتكر كويس كل كلمة قلتها النهارده.»

وبعدها سكت، لكن جوايا كنت خلاص أخدت قراري انى أعلمهم درس عمرهم ما ينسوه.

طالما هم اختاروا يتعاملوا مع ملكيتي كأنها ملكهم، يبقى لازم يعرفوا إن فيه فرق كبير بين الكرم من جيبك، والكرم من جيب غيرك………….

### الفصل الثاني: الهدية المسروقة وفاتورة الحساب
مر أسبوع على ليلة الخطوبة، والتوتر بيني وبين أحمد وصل لمرحلة الصمت التام. كان فاكر إن بمجرد مرور الليلة وعدم إثارتي للمشاكل قدام أهل كريم، أنا استسلمت للأمر الواقع، وإن “الكلام بالهداوة” هيحل الموضوع. بس اللي ما كانش عارفه إن الصمت ده كان مجرد هدوء ما قبل العاصفة، وإني كنت بجهز المفاجأة اللي هتنسيهم ليلة الخطوبة كلها.
تاني يوم الصبح بدري، نزلت من البيت وطلعت على المحامي الخاص بعيلتي، الأستاذ رؤوف، رجل خبير وعارف كل تفاصيل ملكية المحل من يوم ما بابا اشتراه وسجله باسمي.
دخلت مكتبه، ولقيته بيبصلي بابتسامة هادئة.
* «أهلاً يا سارة هانم، أبوكي كلمني امبارح وكان صوته متضايق جداً.. حكالي اللي حصل في خطوبة أخت جوزك. طبعاً أنتي عارفة إن المحل ده خط أحمر، عقود الملكية والشهر العقاري باسمك إنتِ وحدك، ومفيش أي كائن يقدر يتصرف فيه أو يكتبه لحد غير بإذنك الكتابي وتوقيعك.»
قعدت قدامه وطلبت منه طلب واضح:
* «يا أستاذ رؤوف، أنا مش جايّة أكتفي بالكلام. أنا عايزة أتحرك قانونياً فوراً، ومن غير أي إنذار تاني.»
أستاذ رؤوف عدل نضارته وقال بجدية:
* «تؤمرى.. ناويّة على إيه؟»
* «أولاً، عاوزة إنذار رسمي على يد محضر يتبعت لحمايي محمود، وللمستأجر الحالي للمحل، ولأحمد جوزي كمان، بيفيد إن المحل ملكية خاصة ليا، وإن أي عقود إيجار جديدة أو تحويلات مالية تتم بمعرفتي الشخصية، وإلا هعرضهم للمسائلة القانونية بتهمة النصب وإساءة أمانة. وثانياً…» سكت لحظة وابتسمت ببرود «عاوزة أبعث إنذار للمستأجر نفسه إن الإيجار الشهري اللي جاي، وقيمته ٢١ ألف جنيه، لو اتحول لأي حساب تاني غير حسابي البنكي الخاص، هيعتبر دفع في غير محلّه وهيعرضه لطرد فوري من المحل.»
أستاذ رؤوف لمعت عينيه بإعجاب:
* «تمام جداً، الشغل القانوني السليم هو أسرع طريق يرجع الحق لصحابه ويوقف أي حد عند حده.»
في نفس اليوم بالليل، كنت قاعدة في البيت لما الباب خبط. فتحت لقيت أحمد واقف ووشه أصفر ومحتقن، دخل بسرعة وقفل الباب وراه وقال بصوت عالي ومنفعل:
* «إنتِ عملتي إيه؟! أنتي اتجننتي بجد؟!»
بصيتله وأنا بشرب كوباية الشاي بهدوء:
* «ليه؟ هو الإنذار وصلك بسرعة كده للبيت ولا للشغل؟»
فتح عينيه على آخرها وقال بغضب:
* «يعني اعترفتي؟! بعتي إنذار رسمي لأبويا وللمستأجر؟! بتفضحيني قدام الناس وفي الشارع؟! المستأجر اتصل بأبويا وهو مرعوب بيقوله المحل عليه مشاكل قانونية ومحاضر! وأبويا دلوقتي قاعد في المستشفى ضغطه علي بسببك!»
قمت من مكاني ووقفت قدامه وجهاً لوجه، وصوتي كان هادي وثابت لدرجة أرعبته:
* «أبوك اللي جاب لنفسه الفضيحة لما قرر يوزع ممتلكاتي على بنته قدام الناس كأنه مالكها. ولما أنا دافعت عن حقي، اعتبرتوني أنا الغلطانة! إنتَ كنت فاكر إني هسكت عشان أخاف على “شكل العيلة”؟ شكل عيلتكم كان أهم عندي من حقي؟!»
أحمد حاول يمسك أعصابه وبدأ يغير نبرته لطريقة تانية فيها توسل واستعطاف:
* «يا سارة، عشُّان خاطري أنا.. أبويا راجل كبير، ومريم أختي في فترة خطوبتها ومش ناقصة صدمات. أهل كريم لو عرفوا إن المحل مش بتاعنا وإن الموضوع كان مجرد “منظرة”، الفسخة هتكون هي الحل الوحيد، ومريم هترجع بيت أبوها مطأطاة الراس. أنتي قلبك قاسي كده ليه؟ ديه أختي! اعتبري المحل إيجاره هيروح لها شهور الخطوبة بس، وأول ما تتجوز هنحل الموضوع!»
بصيت في عينه بتمعن وقولتله بابتسامة سخرية:
* «حل زي إيه يا أحمد؟ ما أنتو كنتوا هتاخدوا المحل للأبد، وأبوك قال قدام الكل “بعد الجواز هنخلص الإجراءات وننقل الملكية”! يعني كنتوا ناويين تسرقوا ملكيتي على عينك يا تاجر وتفرضوا علي الأمر الواقع. اسمع كويس يا أحمد.. لا أنا هسيب إيجار شهر واحد يروح لمريم، ولا أبوك هيعرف ينطق بكلمة واحدة عن المحل تاني، والإنذار ده مجرد بداية.»
اتعصب أحمد وجن جنونه، ورفع صوته:
* «تمام يا سارة! طالما دي طريقك، وأنتِ مش فارق معاكي جواز أختي ولا بيتي أنا اللي هينهار بسببك… يبقي تشوفي بقى إنتي هتعملي إيه!»
ساب البيت وخلّبط الباب وراه بعنف.
بعد ثلاث أيام، كنت قاعدة في الصالة، ولقيت حماتي نادية داخلة عليّ ومعاها مريم. شكلهم كان يقطع القلب بالنسبة لأي حد طيب، بس عندي أنا كان مجرد تمثيلية مكشوفة.
حماتي قعدت على الكنبة وبدأت تعيط بدموع مصطنعة:
* «يا بنتي، يا سارة، حرام عليكِ اللي بتعمليه فينا ده! أبوكي الله يرحمه ربّاكِ على أحسن أخلاق، إزاي تهوني عليكِ كسرة قلبنا كده؟ مريم هتموت من العياط ومش قادرة ترفع راسها قدام خطيبها وأهله بعد ما المحل اتعمل عليه مشاكل!»
مريم كملت وهي بتمسح دموعها بغضب ظاهر ما قدرتش تخبيه:
* «أنتِ واحدة أنانية ومش بتحبي إلا نفسك! شوفتي فرحتنا وعايزة تحرقيها! هو إحنا أخدنا منك حتة أرض؟ ده مجرد محل أبويا كان بيجاملني بيه قدام نسيبنا! إنتي ليه عملتي كل الشوشرة دي؟»
بصيت لمريم بهدوء تام، ورجعت بظري لورا على الكرسي وقلت:
* «مجاملة؟ تِجَاملي ببنتك وتفرحي قلبها على حساب تدمير أملاكي الخاصة وتزوير الحقائق قدام الناس؟! ما تِجَامليهاش بمحل من تملك أبوكِ، أو تشتريلها إنتي ومحمود محل من فلوسكم لو أنتم قادرين! إنما تسرقوا عرقي وشقى أهلي وتقولي لي “مجاملة”؟ إنتِ مكسورة عشان كدبتكم اتهدت، مش عشان أنا ظلمتك!»
حماتي وقفت بغضب وعنيها شرارة:
* «يعني مصرّة على موقفك؟ مش هتتنازلي عن الإنذار ولا هتمضي على الورق لمريم؟»
رديت بمنتهى الحسم:
* «لو مجيتوش كلكم قدام أهل كريم، وقدام العيلة، واعتذرتوا عن الكلام اللي تقال في خطوبة مريم، وقلتوا للناس بالحرف الواحد إن المحل ده ملكي الخاص ومفيش أي جزء منه ملك لعيلة محمود… أنا مش بس هكتفي بالإنذار، أنا هرفع قضية نصب وتشهير واستيلاء على ممتلكات ضد عمي محمود فوراً!»
الكلمات نزلت عليهم كالصاعقة. مريم طلعت تجري من الشقة وهي بتصرخ وتعيط، وحماتي بصتلي بنظرة كلها كره وحقد وقالت:
* «ماشي يا سارة.. حسابك مع أحمد جوزك هيكون شكل تاني خالص.»
بالليل، رجع أحمد البيت، وواضح من مشيته وصوته إنه كان في اجتماع طارئ وعاصفي مع أهله. دخل ووقف قدامي، ومكنش فيه أي محاولة للمساومة أو الهدوء دي المرة؛ كانت عيونه مليانة تهديد صريح:
* «سارة.. أنتي وصلتي الأمور لحد خطير جداً. أبويا وأمي بيقولوا لو ما سحبتيش الشكوى والإنذار ده حالاً، أنا ماليش قعاد معاكي في بيت واحد، وهعتبرها طلقة في وشك!»
قمت من مكاني، وبكل ثقة وتحدي، فتحت باب الشقة على مصراعيه، وبصيتله وعيني في عينه:
* «تطلقني عشان دافعت عن مالي ورفضت أكون ضحية لكدبة أهلك؟ أهلاً وسهلاً! بس قبل ما تطلع من الباب ده وتفكر في الطلاق، اعرف كويس إن القضية لو دخلت المحاكم، أبوك هيتحبس، وأهلك كلهم هيتبهدلوا في قضايا نصب علنية، وساعتها مريم مش هتتجوز لا من كريم ولا من غيره، لأن الفضيحة هتكسر عيلتكم بجد.. اختار بقى، تلموا شملكم وتعتذاركم للناس بالحقيقة، ولا تشوفوا وش سارة القانوني وهو بيجيب حقها تالت ومتلت!»
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى