
مريم رجعت لورا خطوة، وحطت إيديها على بطنها البارزة بخوف وقالت بصوت متمسك بالكرامة:
— ابني مش كابوس، ده روح.. ومش هتنازل عنه أبدًا، ولا هبيع مستقبله بمليارات الدنيا!
نادية هانم ضيقت عينيها بشر، وقالت بصوت هادئ لكنه يحمل تهديدًا مرعبًا:
— تمام يا دكتورة مريم. اختارتي الطريقة الصعبة. بس أحب أقولك إنك في بلد بتتحكم فيها فلوسنا ونفوذنا. لا هتاخدي اعتراف بابن، ولا هتحصلي على شهادة طب، ولا حتى هتلاقي مستشفى في مصر كلها تقبل تشتغل فيها. اعتبري نفسك، وإنتِ، وأمك، منتهيين تمامًا.
مريم خرجت من المكتب وهي حاسة إن الدنيا سودة قدام عينيها. رجعت البيت، وحضنتني وبكت لحد ما دموعها خلصت. كنت سامعة كل كلمة، قلبي كان بيتقطع على بنتي، لكن مسحت دموعي وقلت لها بقوة:
— عيشي يا مريم، وكملي طريقك. ربنا كبير، واللي خلقك مش هيسيبك. الفلوس بتزول، بس العلم والكرامة هما اللي بيبقوا.
مرت الشهور الصعبة دي وسط ضغط نفسي رهيب. مريم كانت بتذاكر وهي بتعاني من تعب الحمل، وفي نفس الوقت مفيش أي خبر عن آدم. لحد ما جه اليوم الموعود: يوم حفل التخرج في قاعة الاحتفالات الكبرى بجامعة القاهرة.
يومها، أنا لبست أرقى عباية عندي، اللي كنت محتفظة بيها للمناسبات الكبيرة، ووقفت في آخر القاعة أراقب بنتي بعيون كلها فخر ودموع. كانت مريم بتهز القاعة بجمالها ورقتها، وهي شايله بنتها الصغيرة “فاطمة” على صدرها، مستعدة تطلع على المسرح علشان تستلم درع التميز وتلقي كلمتها بصفتها الأولى على الدفعة.
وهنا حصلت الصدمة اللي بدأت بيها الحكاية… وقفة نادية هانم الشهاوي من الصف الأول، وكلماتها اللاذعة اللي جرحت الكل: “يا فضيحتك يا بنت عاملة النظافة! مهما اتعلمتِ…”
الناس في القاعة تنحت. الصمت طبق على المكان كله. أنا حسيت برجلي مش شايلاني، ودموعي نزلت زي السيل. لكن مريم مابكتش.
مريم رفعت راسها لفوق، وبصت لجدة بنتها نظرة ثابتة وقوية خلت نادية هانم ترجع لورا خطوة غصب عنها.
قربت مريم من المايكروفون، والصوت الصغير لبنتها الطفلة كان بيظهر في الخلفية، وقالت بصوت ثابت وواضح ملأ القاعة كلها:
— شكرًا يا سيادة اللواء.. شكرًا يا دكتورة نادية هانم على التذكرة دي. فعلاً، أنا بنت عاملة نظافة عظيمة، ربتني بالحلال وعلمتني إن الشرف أغلى من كنز الدنيا. وعشان كده، كان لازم أطلع على المسرح النهارده ومعايا بنتي.. حفيدة عائلة الشهاوي!
نادية هانم اتغير لونها، وصرخت بصوت مهزوز:
— إنتِ بتقولي إيه يا قلة الأدب إنتي؟! ابني مسافر وموش مالك!
مريم ابتسمت ببرود، وفتحت شنطتها وقالت:
— مسافر؟ ولا هربان خوفًا من الفضيحة؟! أحب أقول لحضرتك، ولكل السادة الحاضرين، إن ابني الحبيب، آدم الشهاوي، مش مسافر في مهمة.. آدم مسجون من أسبوعين في قسم أول المقطم بتهمة التزوير والاختلاس من أموال شركات أهله، وثبتت إدانته بتحقيقات النيابة العامة اللي رفضت كل وساطتكم!
القاعة كلها اتهزت بالهمسات والصراخ. الصحفيين الموجودين بدأوا يصوروا ويسجلوا كل كلمة.
مريم كملت بصوت أشبه بالرعد:
— وكمان.. علشان تفضلي عارفة يا نادية هانم، بنتي فاطمة دي مش مجرد طفلة من غير أب، دي الوريثة الشرعية الوحيدة لنص ثروة آدم الشهاوي، لأن آدم كتب باسمها كل الأسهم بتاعتها قبل ما ينفضح، وموثق بشهادات تثبت ضغطكم عليه لإجباره على التخلص منها! ودي الأوراق الرسمية بختم القضاء، ومعايا هنا نسخة لكل جهة إعلامية عايزة تعرف الحقيقة.
نادية هانم سقطت على كرسيها في الصف الأول وهي منهارة، والكل حواليها بيحاولوا يسكتوها أو يبعدوا الكاميرات عنها.
أما أنا، فوقفت في آخر القاعة، وفتحت دراعاتي لبنتي اللي نزلت من على المسرح وهي رافعة راسها، شايلة بنتها ورايحة تحضني. حسيت ساعتها إن كل تعب السنين، وكل دمعة نزلت على أرض المستشفيات، كان ده تمنها الوحيد: تشوف بنتها دكتورة، وأم قوية، ما تهزهاش فلوس الدنيا كلها.



