
نظر إلى الورشة الكبيرة وإلى البوابة الضخمة التي تحمل اسمي، ثم أضاف بإقرار مرير:
“أنا وأختك فهمنا الدرس متأخر أوي.. فهمنا يعني إيه الواحد يبني حاجة بنفسه بدل ما يعيش عالة على تعب غيره. أمي قاعدة في الشقة الجديدة وتعبانة، بس ساكتة وبتفكر.. حبيت بس أقول لك شكراً.. لأن الهدية اللي سبتيها على الترابيزة مكنتش فلوس.. كانت هي الحقيقة اللي كنا هاربين منها طول عمرنا.”
وقفت أطالع فيه لبرهة، ولم أرَ فيه ذلك الشخص المستغِل المتعجرف، بل رأيت إنساناً بدأ لتوه يتعثر في طريق النضج الذي قطعته قبل سنوات طويلة.
أومأت برأسي بهدوء، وقلت بصوت حاسم وخالٍ من أي ضغينة:
“النجاح يا ابن العم لا يُوهب، ولا يُسرق.. هو يتزرع بالصبر والعرق كل يوم. حافظ على الفرصة اللي في إيدك، واهتم بعيلتك، فالحياة لا تعطي فرصة ثالثة لمن يهدر الثانية.”
ابتسم بامتنان صامت، وانحنى برأسه قليلاً، ثم حمل عدته وانصرف في اتجاه الشارع، ليعود إلى عمله والشق الذي اختاره لنفسه.
عدت إلى مكتبي، وجلست أمام لوحة التصاميم الخاصة بي. نظرت إلى اسمي المنقوش على اللوحة الخشبية الصغيرة على مكتبي: (هند.. مؤسسة التصاميم الهندسية والأثاث). أغلقت الملف، وتنهدت بارتياح كامل. لم أعد تلك البتاة الخائفة التي تبحث عن زاوية صغيرة في بيت عائلتها؛ بل أصبحت البوابة التي لا يفتحها إلا من يستحق الدخول بجهده وعرقه.
بعد أن انصرف زوج أختي، ومضى كل في طريقه، شعرت أن دائرة الماضي قد أُغلقت تماماً، ولم يتبقَ منها سوى حكاية تُروى لنفسي في أوقات التأمل لتعلمني كم كنت قوية حين لم يكن يحيط بي سوى الصقيع والخلاء.
مرت الشهور، وتحولت ورشتي الصغيرة إلى شركة معتمدة لتصميم وتنفيذ الأثاث المدمج، ووسعنا نشاطنا ليشمل محافظات أخرى. الموظفون الاثنا عشر أصبحوا فريقاً متكاملاً يدير العمل بحرفية عالية، حتى صار اسم “هند” علامة مسجلة في السوق، يتردد باحترام بين كبار المقاولين وأصحاب الذوق الرفيع.
في أحد الأيام المشمسة، كنت أقف في ساحة الورشة أتابع تحميل إحدى الشحنات الجديدة الكبرى، حين لفت نظري طفل صغير يقف بعيداً عند مدخل البوابة المفتوحة، يراقب بحذر وتردد. خلفه مباشرة، كانت تقف أختي، لا تحمل كراتين ولا تطلب مأوى، بل تبدو ملامح وجهها قد تغيرت؛ غادرها ذلك الاستعلاء القديم، وحل مكانه هدوء ناتج عن قسوة التجربة ونضج الأيام.
لم تقترب كثيراً، بل وقفت باحترام عند نفس الحد الفاصل الذي وقفت عنده يوم طردوني، ثم رفعت يدها ولوحت بابتسامة خفيفة مكسورة، ومعها طفلها الأصغر الذي كان ينظر إليّ بإعجاب صامت.
نظرتُ إليهم لبرهة طويلة. لم أشعر برغبة في الانتقام، ولم يشغلني عتاب أو لوم. أومأت برأسي إيماءة خفيفة ومتزنة، إيماءة احترام لامرأة بدأت تتعلم أخيراً معنى الاعتماد على النفس.
التفتت أختي بهدوء وأخذت بيد طفلها، ومضيا في طريقهما نحو الباص القريب، بلا جلبة ولا شكوى، كأي شخصين يعيدان ترتيب حياتهما من جديد.
دخلت إلى مكتبي، أغلقت الباب الزجاجي بهدوء، وجلست على كرسيّ الوثير. ألقيت نظرة أخيرة على اللوحة الخشبية المنقوشة باسمي على الطاولة. أدركت حينها أن أثقل الأبواب التي أغلقتها في وجه الماضي، لم تكن أبواب الورشة، بل كانت أبواب الخوف والضعف التي سكنت روحي طويلاً.
لقد طردوني وأنا في التاسعة عشرة ليعلموني كيف أعيش وحيدة.. لكنهم في الواقع، وبدون أن يددروا، منحوني أقوى سلاح في العالم: القدرة على بناء مملكة كاملة من العدم، بيديّ اثنتين، وبقلب لا يعرف الانكسار مرة أخرى.


