روايات وقصص

حكايات اسما 1

لكن حماتي فجأة عليت صوتها وقالت:

— أحمد! يا أحمد! تعالى شوف مراتك بتكلمني إزاي!

وفي اللحظة دي، سمعت صوت خطوات جوزي وهو نازل السلم بسرعة.

وأنا واقفة قدام حماتي، والهدوم الخاصة لسه مرمية على السفرة، ومش عارفة أحمد هيقف في صفي ويحترم خصوصيتنا… ولا هيعتبر إن أمه من حقها تعمل اللي هي عايزاه في بيتنا!
نزل أحمد من السلم بسرعة، وهو باين عليه القلق من صوت أمه العالي، وبص لينا باتساع عيون وهو بيسأل بصوت مرتبك:
— في إيه؟ إيه الصوت ده؟ صوتكم واصل لحد فوق ليه؟
وقبل ما ألحق أنطق بكلمة واحدة، اندفعت أمه (حماتي) في الكلام، وصوتها بيترعش من الغضب المصطنع، ودموع تمثيلية جاهزة في عيونها:
— تعالى يا أحمد.. تعالى شوف مراتك وبتكلمني إزاي! أنا جيت أعملها مفاجأة وأساعدها وأرتب بيتها، ألاقيها بتطردني من قدامها وبتزعقلي وبتطاول عليا كأني واحدة غريبة! دي لولا احترام ابني، كان زماني رديت عليها رد تاني خالص!
بصيت لأحمد ببرق، وكنت حاسة إن روحي بتتسحب مني من كتر الصدمة والظلم. مسكت نفسي بالعافية، ونفضت القهرة اللي في صدري، وقولت بصوت مقطوع بس واضح:
— أنا ما طردتهاش يا أحمد.. ولا علت صوتي عليها بالطريقة اللي هي بتقولها دي. بس هي دخلت أوضة نومنا من غير إذن، وطلعت حاجتي الخاصة كلها على ترابيزة السفرة، ولما اعترضت وبأدب قلتلها إن دي خصوصيات، غلطت فيا وفي أهلي.. ومش بس كده، دي ماسكة هدومي الخاصة وبتتريق عليا قدام الكل!
أحمد بصلي وبص لأمه، وبعدين بص على ترابيزة السفرة.. وشاف الهدوم بعينه.
ساعتها، حسيت بقلبي بيقف.. وكنت مستنية أشوف رد فعله الحقيقي، هل هيحافظ على بيتنا وكرامتي وخصوصيتنا اللي المفروض تكون خط أحمر؟ ولا هيبيعني بكلمتين عشان خاطر رضى أمه؟
سكت أحمد ثواني معدودة، بس حسيتها دهر.. وبعدين اتلفت لأمه وقال بصوت هادئ نسبياً بس كان جواه توتر واضح:
— معلش يا أمي.. خلاص، هي أكيد ما تقصدش. وبعدين فعلاً حقها، أوضة النوم دي تخصنا، ومينفعش حد يدخلها من غير استئذان حتى لو إنتِ. تعالي اقعدي في الصالة وأنا هطلع أرتب معاها الحاجة دي.
الكلمة دي نزلت على حماتي كأنها صاعقة! هي مكنتش متوقعة أبداً إن ابنها ممكن يلومها حتى لو بشكل ديبلوماسي، أو يدي لمراته الحق ولو بنسبة بسيطة.
اتنفرت أم أحمد، ووسعت عيونها بغضب أعمى، وقالت بصوت عالي وصارخ:
— نعم؟! بقى أنا اللي غلطانة يا أحمد؟ بقى جزاتي إني جاية أساعد عروسة فاشلة مش عارفة ترتب بيتها، تقوم تطلعني أنا الغلطانة وتعمل حساب لمراتك عليا؟! ماشفتش ابن بطني وهو بيبيعني عشان واحدة تانية! طب والله مانا قاعدة في البيت دقيقة واحدة! هاتلي شنطتي يا أحمد.. يلا يا أبو أحمد، قوم خلينا نمشي من البيت ده اللي مابقاش لينا فيه مكان!
حمايا كان قاعد طول السرف ده ساكت تماماً، مش بيتدخل في حاجة، بس شكله كان مكسوف ومحرج من اللي مراته عملته. ولما هي زعقت، وقف ببطء وقال بصوت هادي:
— اهدي بس يا أم أحمد، ومفيش داعي للمنانة دي، العيال لسه متجوزين جديد..
قاطعته هي بصوت حاد:
— أخرس إنتَ كمان! قوم معايا يلا!
جريت حماتي على أوضة الضيوف وراحت جابت شنطتها بقسوة، وطلعت تجري على الباب وهي بتبرطم بكلمات جارحة وتدعي عليا:
— الله لا يقدرها، جاية أساعدها تطردني وتجيب في سيرتي.. مبروك عليك مراتك يا أحمد، بس اعرف إنها مش هتدخل خير أبدًا في حياتك!
فتحت الباب ونزلت وهي بتخبط الباب وراها بصوت رعب البيت كله، ووراها حمايا اللي كان باصص لأحمد بأسى ونظرة اعتذار صامتة ونزل وراها.
أحمد وقف مكانه في نص الصالة، باصص للباب المقفول، وبعدين بصلي.. وشي كان مليان دموع الغضب والقهره.
قرب مني وقال بحزن وتعب:
بصيت له بحرقة، وقلت بصوت بيترعش من كتر البكاء المحبوس:
— استحمل إيه يا أحمد؟! هي دخلت أوضة نومنا! دي حرمتنا وأهم خصوصية لينا! دي جرحتني في كرامتي وفي أكتر حاجة خاصة بيا، وكمان بدلت الحق باطل وغلطت فيا وفي أهلي! لو من أول أربع شهور سمحنا بالتدخل ده، تفتكر بعد سنة شكل بيتنا هيبقى عامل إزاي؟ إنتَ معتبرني مسؤولة عن بيتك بجد، ولا مجرد ضيفة لحد ما أمك تقرر تدير حياتنا بمعرفتها؟!
سكت أحمد ومردش، وكأن كلامي جه على الجرح بس هو خايف يواجه أمه.
عدا اليوم ده بأسوأ شكل ممكن.. أحمد نزل ورا أمه عشان يراضيها ويرجعها، وسابني لوحدي في البيت مع قهرتي ودموعي اللي مكنتش بتوقف. فضلت قاعدة قدام ترابيزة السفرة، لميت الهدوم الخاصة دي بإيد بترتجف، ودخلت ركبتها في الدولاب وقفلت عليه بالمفتاح، وحسيت ساعتها إن أول شرخ اتخلق في جدران بيتنا الجديد.. شرخ سببه الافتقار التام للخصوصية، وست مش راضية تدينا فرصة نبني حياتنا لوحدنا.
رجع أحمد بالليل، وكان واضح عليه الإرهاق الشديد ومكشر. قعد في الصالة ومن غير ما يبص في عيوني قال:
— أمي زعلانة جداً ومش عايزة تكلمني، وبتقولي إني بقيت “خاتم في صباع مراتي”.. وإنتي قاعدة هنا مأفورة الموضوع.. يعني كان إيه يعني لو دخلت رتبت الدولاب؟ ما كل الأمهات كده!
الجملة دي كانت القشة التي قسمت ظهر البعير!
بصيت له بصدمة تامة، وقلت بصوت حاد وناشف:
— كل الأمهات كده؟! يعني إنتَ شايف اللي عملته ده عادي؟! شايف إن انتهاك خصوصيتنا وتفتيشها في هدومي الخاصة وتطاولها عليا ده طبيعي؟! طب اسمع بقى يا أحمد.. لو ده مفهومك عن الجواز، وإن أهلك لهم حق يدخلوا أوضة نومنا ويتحكموا فينا براحتهم، يبقى من البداية كده إحنا مش متفقين..
وقف أحمد مفزوع من كلامي، وقال بعصبية:
— إيه الكلام الكبير ده؟! هو إنتي طايقة لنا كلمة؟! من أول مشكلة عاوزة تهددي وتخربي البيت؟!
قلت بثبات وبصوت بيقطر وجع:
— أنا ما بضربش بيتي بالنار يا أحمد.. أنا بس بحط النقط على الحروف، وعايزة أعرف إحنا متجوزين إحنا الاتنين لوحدنا.. ولا أمك معانا في نفس السرير؟!

4 من 4التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى