
لما جرس الباب رن.
فتحت سلمى.
كان واقف راجل في أوائل الأربعينات.
عرفته فورًا.
شريف… أخو عمر الكبير.
دخل من غير حتى ما يستأذن.
أول ما شافني، ابتسم بسخرية.
— العريس موجود أهو.
وقفت.
— صباح الخير يا شريف.
— هو فيه خير بعد اللي حصل؟
سلمى قالت بعصبية:
— لو جاي تعمل مشكلة، اتفضل امشي.
ضحك.
— مشكلة؟ أنا جاي أطمن على بنت أخويا.
مريم قربت مني تلقائيًا.
لاحظت الحركة.
شريف بص لإيدها وهي ماسكة هدومي.
ملامحه اتغيرت.
— مريم… تعالي لعمو.
البنت استخبت ورايا.
— مش عايزة.
سكت شريف لحظة.
وبعدين بصلي.
— واضح إنك عرفت تلعبها صح يا آدم.
— تقصد إيه؟
— صاحبك يموت، وبعد سنة تدخل بيته وتتجوز مراته وتبقى مسؤول عن بنته وميراثها.
سلمى صرخت:
— شريف!
لكنني رفعت إيدي.
— سيبيه.
قربت منه.
— كمل.
قال:
— مفيش حاجة أكملها. الصورة واضحة.
— الصورة اللي في دماغك تخصك.
— لأ. تخص بنت أخويا.
وبعدين قال الجملة اللي خلتني أركز معاه:
— وممتلكات أخويا.
قلت:
— أنهي ممتلكات؟
اتوتر للحظة.
لحظة صغيرة جدًا.
لكنني شفتها.
— شقته… حساباته… نصيب مريم.
قربت منه أكتر.
— وأرض الشركة القديمة؟
وشه اتغير.
بوضوح.
صمت.
سلمى بصتلي.
— أرض إيه؟
أنا ما بصتلهاش.
عيني كانت على شريف.
قلت:
— مالك سكت ليه؟
شريف حاول يضحك.
— إنت بتقول إيه؟
— بسألك عن أرض.
— أول مرة أسمع عنها.
لكن إيده كانت بتترعش.
عرفت في اللحظة دي إن عمر كان صح.
فيه حد عارف.
وممكن يكون أقرب حد ليه.
شريف اتحرك ناحية الباب.
وقبل ما يخرج، وقف قدامي.
— نصيحة يا آدم.
— قول.
— ماتفتحش حاجات عمر قفلها قبل ما يموت.
قلبي وقف لحظة.
— تقصد إيه؟
ابتسم.
— أقصد إن الميت له حرمة.
وخرج.
قفلت الباب وراه.
لفيت.
لقيت سلمى واقفة ورايا.
وشها أبيض.
— آدم…
— نعم؟
— إنت عرفت موضوع الأرض منين؟
ماكنتش عارف أرد.
قربت مني.
— مفيش أرض أنا أعرف عنها حاجة.
سكت.
قالت:
— إنت دخلت مكتب عمر امبارح.
— آه.
— ولقيت حاجة.
ما رديتش.
عينيها اتمليت خوف.
— صح؟
— سلمى…
— لقيت إيه؟
كنت محتار.
وعد عمر واضح:
ماتواجهش سلمى قبل ما تعرف الحقيقة كاملة.
قلت:
— لما أفهم، هقولك.
اتغيرت ملامحها.
— يعني فيه حاجة فعلًا.
— سلمى…
— لأ.
رجعت خطوة.
— إحنا من أول يوم هنعيش بالأسرار؟
— الموضوع مش كده.
ضحكت بمرارة.
أمال إيه؟
— أنا بحاول أحميكي.
قالتها بعصبية:
— أنا مش محتاجة حماية منك!
الجملة وجعتني أكتر مما توقعت.
يمكن لأني فعلًا كنت معتبر إن دوري الوحيد هو الحماية.
قلت بهدوء:
— تمام.
ومشيت.
لكنها مسكت دراعي.
أول مرة تلمسني من وقت كتب الكتاب.
وقفت.
بصيت لإيدها.
هي كمان لاحظت، فسحبتها بسرعة.
قالت بصوت أهدى:
— أنا آسفة.
— على إيه؟
— أنا عارفة إنك عملت كتير علشاني وعلشان مريم.
— أنا عملت علشان صاحبي.
بمجرد ما قلتها…
شفت حاجة انكسرت في عينيها.
قالت:
— عارفة.
ولفت علشان تمشي.
وقتها حسيت إني قلت الكلام بطريقة أقسى من قصدي.
ناديت:
— سلمى.
وقفت.
— أنا ماقصدتش إن وجودك مالوش قيمة عندي.
ما لفتتش.
كملت:
— بس كل حاجة حصلت بسرعة… وأنا مش عايز أظلمك.
قالت بصوت واطي:
— ولا أنا عايزة أعيش طول عمري حاسة إن جوازي منك دين بتسدده لصاحبك.
ومشيت.
فضلت واقف مكاني.
ولأول مرة من بداية الموضوع…
فكرت في سلمى نفسها.
مش أرملة عمر.
مش أم مريم.
سلمى.
الست اللي خسرت جوزها.
ودخلت معارك مع عيلته.
وعاشت سنة كاملة تحاول تحمي بنتها.
وبعدين وافقت تتجوز راجل يمكن هي نفسها مش عارفة مكانه إيه من قلبها.
بالليل…
كنت قاعد لوحدي لما مريم دخلت.
— عمو آدم؟
— تعالى يا قلب عمو.
قعدت جنبي.
كان معاها كراسة رسم.
فتحتها.
— شوفت الرسمة دي؟
كانت رسمة بيت.
وفيه أربع أشخاص.
راجل وست وبنت صغيرة…
وشخص رابع بعيد عنهم.
أشرت عليه.
— مين ده؟
قالت:
— بابا.
قلبي اتقبض.
— وده أنا؟
أشارت للرجل اللي جنبها.
— آه.
— وماما؟
— هنا.
ابتسمت.
لكنني لاحظت حاجة.
في رسمة عمر…
كان فيه مربع أسود في إيده.
سألتها:
— إيه ده؟
قالت:
— صندوق بابا.
— صندوق؟
— آه.
— أنهي صندوق؟
بصتلي باستغراب.
— اللي كان بيخبيه في الجنينة.
اتعدلت.
— جنينة إيه؟
— جنينة بيت جدو القديم.
— شوفتيه؟
— مرة.
— إمتى؟
— قبل ما يموت.
قلبي بدأ يدق.
— كان بيعمل إيه؟
قالت ببساطة:
— كان بيدفن الصندوق.
— قالك فيه إيه؟
هزت راسها.
— لأ.
ثم افتكرت حاجة.
— بس كان بيتكلم في التليفون.
— قال إيه؟
حاولت تفتكر.
— قال: «لو حصل لي حاجة… النسخة الأصلية مش في المكتب.»
اتجمدت.
— متأكدة؟
— آه.
وفي نفس اللحظة…
نور العربية دخل من الشباك.
عربية وقفت قدام البيت.
قمت وبصيت.
كانت عربية سوداء.



