
مرت أسابيع بعد اللي حصل، والهدوء رجع للشارع من جديد. ندى بدأت تستعيد حياتها الطبيعية، وجودي رجعت تروح مدرستها وتلعب مع أطفال الجيران من غير خوف.
أما هاني، فكان ملتزم بكلامه. كل خطوة كان بياخدها كانت عن طريق القانون، وكل ما يخص جودي كان يتم بالتنسيق مع المحامي والجهات المختصة.
في صباح يوم هادي، كانت ندى واقفة في البلكونة بتحضر الشاي، وجودي قاعدة على الأرض بترسم في كراسة صغيرة.
جودي رفعت رأسها وقالت:
“ماما.. هو عمو هاني هييجي النهاردة؟”
ندى ابتسمت:
“أكيد هييجي، بس أنتِ سيبيه يخلص شغله الأول.”
جودي ضحكت:
“أنا عايزة أوريه الرسمة الجديدة.”
في نفس اللحظة، جرس المحل تحت البيت رن، وبعد دقائق ظهر هاني على السلم وهو ماسك كيس صغير.
خبط على الباب، وندى فتحت له.
هاني:
“صباح الخير يا ندى.”
ندى:
“صباح النور. اتفضل.”
جودي جريت عليه وهي ماسكة الكراسة:
“عمو هاني! بص رسمت إيه.”
هاني نزل لمستواها، وأخذ الكراسة منها.
“إيه الجمال ده؟ دي أحسن رسمة شفتها في حياتي.”
جودي:
“دي أنا وماما وأنت.”
هاني ابتسم:
“طب فين البيت؟”
جودي أشارت إلى أعلى الورقة:
“أهو.. ده بيتنا.”
ندى بصت لهاني، ووشها احمر من الإحراج.
هاني ضحك:
“واضح إن جودي سبقتنا كلنا.”
ندى:
“هي بتحبك وارتاحت لك، وده أهم حاجة عندي.”
سكت هاني لحظة، وبص لها بجدية.
“وأنا أهم حاجة عندي إنك أنتِ كمان تكوني مرتاحة. مش عايزك تاخدي أي خطوة بسبب اللي حصل أو بسبب إحساسك إنك مدينة لي بحاجة.”
ندى:
“أنا عارفة يا هاني. وعشان كده أنا مطمنة. أنت عمرك ما ضغطت عليا.”
هاني:
“الحب مش ضغط يا ندى. الحب إنك تختاري بإرادتك.”
ندى ابتسمت:
“وعشان كده أنا اخترتك.”
ساد الصمت للحظات، ثم دخلت سارة وهي تحمل بعض الأغراض.
سارة:
“صباح الخير يا جماعة.”
جودي جريت عليها:
“طنط سارة! عمو هاني اتجوز ماما ولا لسه؟”
سارة ضحكت:
“يا بنتي سيبيه الأول يخلص موضوع الخطوبة.”
هاني:
“أهو أنا جاي النهاردة مخصوص عشان الموضوع ده.”
ندى بصت له باستغراب:
“موضوع إيه؟”
هاني أشار إلى الكيس الذي كان يحمله.
“أهلي جايين بعد يومين.”
ندى اتوترت قليلًا.
“يعني إيه؟”
هاني ابتسم:
“يعني جايين رسمي. زي ما وعدتك.”
ندى سكتت، ثم ابتسمت ابتسامة واسعة.
“أنا كنت مستنيا اليوم ده.”
مرت اليومان بسرعة.
وفي الموعد المحدد، امتلأ البيت بالأهل والأقارب، لكن الجو كان بسيطًا وهادئًا. لم تكن هناك مظاهر مبالغ فيها، فقط فرحة عائلية حقيقية.
والدة هاني جلست بجوار ندى وقالت لها:
“يا بنتي إحنا مش جايين ناخدك من بيتك. إحنا جايين نطلبك لابننا، ولو أنتِ موافقة يبقى أنتِ من النهاردة بنتنا.”
ندى دموعها نزلت من الفرحة.
“ربنا يخليكي. أنا كل اللي كنت بدور عليه إني أحس إني مش لوحدي.”
والدة هاني أمسكت إيدها:
“مش هتبقي لوحدك.”
جودي كانت تتابع المشهد من بعيد، ثم اقتربت من هاني وهمست:
“يعني ماما هتبقى مراتك؟”
هاني ضحك:
“لو ماما وافقت.”
جودي بصت لندى:
“وافقي يا ماما.”
الكل ضحك، وندى ابتسمت بخجل.
بعدها بأيام، تم تحديد موعد عقد القران.
في يوم العقد، كانت ندى واقفة أمام المرآة، ترتدي ملابس بسيطة وأنيقة، وجودي بجوارها تساعدها في ترتيب شعرها.
ندى سألتها:
“إيه رأيك؟”
جودي:
“أنتِ أحلى واحدة في الدنيا.”
ندى حضنتها:
“وأنتِ أجمل حاجة حصلت لي.”
في الخارج، كان هاني ينتظر مع أهله.
وبعد انتهاء الإجراءات الرسمية، أصبحت ندى زوجته أمام الجميع.
هاني اقترب منها وقال بهدوء:
“فاكرة أول مرة قلتِ لي خلينا إخوات؟”
ندى ضحكت:
“فكرنيش.”
هاني:
“كنتِ خايفة.”
ندى:
“كنت خايفة من كل حاجة. دلوقتي عرفت إن المشكلة مش في إني أبدأ من جديد، المشكلة إني كنت فاكرة إن كل الناس شبه الماضي.”
هاني:
“والمهم إنك عرفتي تختاري بنفسك.”
ندى:
“وأنا اخترتك.”
جودي وقفت بينهما ومدت إيديها:
“طب وأنا؟”
هاني حملها، وندى ضحكت.
“وأنتِ أهم واحدة فينا.”
مرت الشهور، وبدأت حياة جديدة تمامًا.
ندى اهتمت ببيتها وبنتها، وهاني استمر في شغله، وكان يحاول كل يوم أن يثبت لها أن الاستقرار مش مجرد كلام.
وفي إحدى الليالي، جلست ندى في الشرفة، وهاني بجوارها، وجودي نائمة في الغرفة.
ندى قالت:
“عارف يا هاني؟ ساعات بفتكر اللي حصل وأستغرب إزاي كنت خايفة من المستقبل بالشكل ده.”
هاني:
“طبيعي. الإنسان لما يتعب بيخاف يكرر نفس التجربة.”
ندى:
“بس أنت علمتني حاجة مهمة.”
هاني:
“إيه؟”
ندى:
“إن الشخص الصح مش بيطلب منك تنسي الماضي غصب، لكنه يساعدك تتعلمي منه وتكملي حياتك.”
هاني ابتسم:
“وأنتِ علمتيني إن الصبر أحيانًا أهم من الحب نفسه.”
ندى وضعت يدها على يده:
“أنا سعيدة إني اديت نفسي فرصة.”
هاني:
“وأنا أسعد واحد إنك اديتيني فرصة.”
في تلك اللحظة خرجت جودي من غرفتها وهي نصف نائمة.
“ماما.. عمو هاني.. أنا عطشانة.”
ضحك الاثنان.
هاني قام بسرعة:
“حاضر يا ست جودي.”
ندى نظرت إليه وهو يذهب ليحضر لها الماء، ثم ابتسمت.
كانت تعرف أن حياتها لم تصبح مثالية، وأن الأيام قد تحمل دائمًا بعض الصعوبات، لكنها تعلمت شيئًا أهم من ذلك كله:
أن بداية جديدة لا تعني نسيان الماضي، وإنما تعني أن الماضي لم يعد يتحكم في المستقبل.
وهكذا بدأت حكاية ندى وهاني من جديد، لكن هذه المرة لم تكن مبنية على الخوف أو الوعود الكبيرة، وإنما على الاحترام والثقة والاختيار.
أما جودي، فكانت دائمًا الحلقة الأجمل في حكايتهما، والسبب الذي جعل البيت يمتلئ بالضحك بعد سنوات طويلة من الصمت.
وفي نهاية كل يوم، كانت ندى تنظر إلى ابنتها ثم إلى هاني، وتقول لنفسها:
“يمكن الحياة أخدت مني كتير.. لكنها في النهاية عوضتني ببداية كنت فاكرة إنها مستحيلة.”
ومن هنا بدأت حياة جديدة، أكثر هدوءًا، وأكثر نضجًا، وأقرب إلى الأمان الذي كانت ندى تبحث عنه طوال سنوات.


