
سيف مسك حتة فطير حطبة من اللي طالعة من الميكروويف، وبدأت أسنانه تخبط فيها وهو بيحاول يقطعها. بالعافية أخد حتة وغمزها في البيض اللي نص سوا والمعجون بالشطة والثوم المحروق. حط اللقمة في بوقه، وفي ثانية واحدة، وش سيف تحول للون الأحمر الداكن، وعينيه أدمعت، وبدأ يتنفس بسرعة وهو بيحاول يبلع بالعافية من غير ما يبين لأمه.
الحاجة فاطمة شافت ابنها بياكل، فمدت إيديها وهي بتقول:
* “أما نشوف شطارة عروسة الغفلة..”
أخدت لقمة فطير بالجبنة القديمة اللي أغرقاتها بالزيت الحار والمش الثقيل، وحطتها في بوقها.
السكوت ساد الصالة لمدة ثلاث ثواني كاملة.
وفجأة، الحاجة فاطمة حطت إيدها على بوقها، وعينيها وسعت جداً من الصدمة، وقامت واقفة مرة واحدة وهي بتشهق!
* “إيه ده؟! إيه النار دي؟! ده مش أكل، ده نار جحيم يا ليلى! الشطة والخل حارقين زوري، والجبنة عاملة زي الطين!”
سيف بدأ يكح بانهيار، وجري على المطبخ يتدور على كوباية مية، وأخته سمر مسكت بطنها وقالت بصوت مخروم:
* “يا مامي.. أنا أكلت حتة مسقعة، أحس إن معدتي بتتحرق! الخل والشطة ضربوا في مصاريني!”
أنا وقفت بثبات ووليت بتمثيل واحترافية:
* “يا خبر! معقولة؟ بس سيف عارف من أيام الصالونات إني مبعرفش أطبخ خالص وهو اللي قال مش مهم وهنتعلم سوا ومهم الراحة النفسية! أنا حاولت أعمل أحسن ما عندي والله يا طنط!”
الحاجة فاطمة كانت بتتنفس بصعوبة وشها بقى أحمر من كثرة الشطة والثوم، مسكت بطنها بجمود وقالت وهي بتبص لسيف اللي راجع بيجر رجليه ومسكه كوباية المية بتموت:
* “راحة نفسية إيه ونار إيه يا سيف؟! أنت دبستنا في إيه؟ المصران الأعور هيتفجر عندي! قومي يا سمر.. قومي بينا على البيت، القعدة هنا هتودينا المستشفى!”
سيف حاول يهدى أمه:
* “يا أمي استهدي بالله، اشربي مية بس وسقسي الفطير في اللبن..”
قاطعته الحاجة فاطمة بصوت يرج العمارة وهي مسكة بطنها وبتمشي ببطء ناحية الباب:
* “أسقس إيه يا مسخوط؟! الفطير زي الحطب والبيض ني والشكشوكة شطة حمرا تذوب المصارين! أنا ماشية، وما أظنش إني هعزم نفسي عندك على أكل ثاني أبداً لحد ما تتعدل العروسة دي!”
خرجت الحاجة فاطمة وأخته سمر وهما بيجروا على السلم ومستمسكين ببطنهم وبيتحسبوا، وسيف قفل الباب وراهم وهو مسند ظهره على الباب، بيلهث وشكاله يرحم، أيد مسكة كوباية المية والأيد الثانية مسكة بطنه من اللقمة اللي أكلها.
بصلي ونظرة الذهول والصدمة والوجع في عينيه، وقال بصوت متقطع:
* “إيه.. إيه اللي عملتيه ده يا ليلى؟ ده مش أكل.. دي مؤامرة بيولوجية! أمي ومصارينها راحوا فيها، وأنا بطني بدأت تقطعني من اللقمة الوحيدة!”
قربت منه بابتسامة نصر عريضة، وربعت إيديا وقولتله بمنتهى البرود:
* “مش إحنا اتفقنا في الصالونات إننا بنصحى بعد العصر؟ وإنك بتحب البساطة والأكل الجاهز؟ وإن البيوت مش لازم تكون نضيفة ومترتبة أول الساعات؟ أنت اللي وافقت على كل شروطي عشان تدبسني، وأنا عرفتك من أول دقيقة إن الكلام ده مش مجرد كلام صالونات.. ده أسلوب حياة يا سيف!”
سيف بصلي وهو بيحاول يمسك بطنه اللي بدأت تكركب بجد، وقال وهو بيجري ناحية الحمام:
* “حرام عليكي.. أنا كنت بشريك بس! افتحي الطريق بسرعة الخل والشطة بدأوا يشتغلوا!”
سابني وجري على الحمام وقفل الباب على نفسه، وقفت أنا في صالة الشقة، بصيت للصينية المحروقة، وابتسمت ابتسامة ساحرة.. الخطة الأولى نجحت، والحاجة فاطمة حرمت تيجي بدري، وسيف أخد أول درس في ضريبة “كلام الصالونات”. بس الجولة لسة مخلصتش، واللغز بتاع سيف وسره الكبير يلا بدأ يبان!


