
— “سمعتِ يا عبير؟ سمعتِ الراجل اللي وقفتِ أخوكِ عشانه؟ الراجل اللي خليتِ أخوكِ يسيب البيت ويمشي زعلان بسببك؟ البنت اللي أنتِ وهي افتريتم عليها ودمرتم بيتها، طلعت هي اللي صايناة ومحافظة على حقها وحق ابنها بكرامة وورق رسمي، وأنتِ أخدتِ القشور!”
عبير بدأت تبكي بدموع حارقة، ودفنت وشها بين إيديها وهي بتقول:
— “سامحني يا بابا.. سامحني يا خويا.. أنا كنت عمياء، الكلام المعسول عماني.. كان بيسوق عليا المظلومية ويقولي مراتي مكدرة عليا ومبتفهميش، وأنا صدقته واستقويت بيه عليكم..”
بصيت لعبير ونسيت كل زعلي منها في اللحظة دي.. شفت أختي مكسورة ومخدوعة، والدم اللي يجري في عروقي ما سمحليش إني أتشفي فيها. قعدت جنبها، وحطيت إيدي على كتفها وقلت لها:
— “اللي حصل حصل يا عبير.. المهم إنك فقتِ قبل ما ياخد فلوسك وورث عيالك ورزقك. الراجل ده مالوش مكان في بيتنا تاني.”
سامح بص لينا بكبرياء مزيف، وطلع تليفونه من جيبه وقال بثقة:
— “ماشي.. أنتم فاكرين إن الدنيا وقفت عليكم؟ أنا هطلق عبير، ومش عايز منكم حاجة! بس افتكروا كويس.. الجوازة اللي أخوك رايح يعملها من يارا مش هتم! أنا مش هسيب يارا تتهنى ولا هسيب ابني يتربى في شقة أخوك!”
وقفت قدامه وبصيت له بسخرية:
— “أنت ما تملكش تمنع حاجة يا سامح. يارا بقت حرة منك شرعاً وقانوناً، وابنك في عينيا وفي أمان. وأعلى ما في خيلك اركبه!”
سامح بص لعبير بصة غل، وقال بصوت عالي:
— “عبير.. أنتِ طالق! طالق! طالق!”
ورمى العقد العرفي على الأرض، ولف وشه وخرج من الباب وهو بيخبطه وراه بكل قوته.
الصمت ساد المكان من تاني، عبير فضلت تعيط، بس تعبيرات وشها كان فيها راحة من الكابوس اللي كانت عايشة فيه.
أبويا قعد على الكنبة، وحط إيده على دماغه، وبعدين رفع رأسه وبصلي، ودمعة محبوسة في عينيه:
— “تعالى يا ابني.. تعال جنب أبوك.”
قربت منه وقعدت تحت رجليه، مسك إيدي وقال:
— “أنا أسف يا ابني.. أسف إني صدقت الكلام ووقفت قصادك. أنت كنت شايف اللي احنا مش شايفينه، أنت طلعت الراجل الوحيد فينا اللي فهم الحق. يارا بنت ناس ومحترمة، وإحنا اللي ظلمناها.”
ابتسمت وبست إيد أبويا وقلت له:
— “مفيش أسف بين الأب وابنه يا بابا.. المهم إن الحقيقة بانت، وعبير اختي قامت من الوقعة دي على رجليها.”
عبير قربت مني وهي بتبكي، ومسكت إيدي وقالتلي بنبرة كلها رجاء:
— “سامحني يا خويا.. أنا أسفة إني اتهمتك بالباطل، أسفة إني قلت إنك بتكسرني.. البنت دي مظلومة يا خويا، روح اتجوزها وصونها، وعوضها هي وابنها عن الوجع.. وأنا بنفسي هاجي معاك وأبوس رأسها وأطلب منها السماح.”
الموقف اتقلب تماماً. البيت اللي كان مشتعل بالنار، بقى مليان تفاهم ورغبة في تصحيح الأخطاء.
تاني يوم، اتصلت بيارا، وقلت لها إن أبويا وأختي عبير عايزين يجوا معايا لبيت والدها عشان يقرأوا الفاتحة رسمياً ويقدموا اعتذار لعم أحمد.
يارا في الأول اتخضت وخافت من المواجهة، بس أنا طمنتها وقلت لها: “يا يارا.. الحق ظهر، واللي كان ظالم أخد جزاؤه. أهلي جايين يشتروكِ ويعتذروا عن كل نقطة دموع نزلت من عينك.”
في نفس اليوم بالليل، وصلنا بيت يارا.. أبويا، وعبير، وأنا.
عم أحمد فتح الباب ورحب بينا، عبير أول ما شافت يارا داخلة الصالون، قامت من مكانها، والدموع مغرقة وشها، وقربت منها ومسكت إيديها وقالتوت بصوت مكسور:
— “حقك عليا يا يارا.. سامحيني يا أختي، أنا كنت غبية وعمياء، وصدقت من خرب بيتك وبيت غيرك. أنا جاية النهاردة أستسمحك وأطلب منك تفتحي صفحة جديدة مع أخويا، لأنه الراجل الوحيد اللي يستاهلك ويستاهل يصونك.”
يارا بصت لعبير بذهول، والدموع جمعت في عينيها، وبدال ما تتكبر أو ترد بالقسوة، حضنت عبير بالراحة وقالت لها:
— “المسامح كريم يا عبير.. المهم إن ربنا كشفه، وأنتِ خرجتِ منه سليمة. أنا مش زعلانة منك، أنا زعلانة على الأيام اللي ضاعت.”
أبويا اتكلم مع عم أحمد بوقار، وقال له:
— “يا عم أحمد.. إحنا جايين نطلب يد بنتك المصونة يارا لابننا.. وبأوعدك أمام الله، إن يارا هتبقى بنتي قبل ما تكون مرات ابني، وإياد الصغير ده هيفضل في قلوبنا وفي بيت أهله.”
عم أحمد ابتسم ودموعه نازلة، وقرأنا الفاتحة كلنا في جو مليان فرحة وحب حقيقي. وتحدد معاد الفرح بعد شهر واحد، في القاعة اللي تختارها يارا.
عدت الأيام بسرعة، وكنت بجهز الشقة مع يارا خطوة بخطوة، ونضحك سوا، ونفكر في مستقبل إياد. بس سامح مكانش ساكت.. كان عمال يبعث رسائل تهديد ليارا وليا، يقول فيها إنه مش هيسيب الفرح يتم!
أنا ما حكيتش ليارا أي حاجة عن التهديدات دي عشان ما أخوفهاش، بس عملت حسابي كويس جداً، واتفقت مع أصحابي ومع أمن القاعة، وحظرت كل تحركاته من بعيد لبعيد.
وجاء يوم الفرح..
الفندق كان منور، يارا كانت طالعة زي الملكة بفستانها الأبيض، ووشها مشرق بالضحكة اللي غابت عنها سنين. إياد الصغير كان لابس بدلة صغيرة ومسك في إيدي، وأبويا وعبير كانوا واقفين فرحانين.
وفي وسط الفرح، وأنا ماسك إيد يارا وبنلف، لمحته!
سامح كان واقف عند باب القاعة الرئيسي، لابس جاكيت أسود، وشه مشحون بالشر والغضب، وعينيه مثبتة عليا وعلى إياد!
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

