
يارا سكتت، وسمعت صوت تنهيدة طالعة من أعماق قلبها، وبعدها قالت بنبرة مليانة دموع وفخر:
— “ربنا يعوضك عن كل خطوة بتخطوها عشاني.. أنا ووالدي مستنيينك بكره.”
تاني يوم بالليل، لبست طقم شيك، واتفقت مع صاحبي “كريم”، وحكيت له القصة كلها في السكة. كريم كان راجل جدع، ومسك في إيدي وقال لي: “أنت راجل يا صاحبي، ومواقفك دي هي اللي بتثبت معدنك، وأنا ضهرك في الجوازة دي.”
وصلنا بيت يارا في حي هادي بسيط. خبطنا على الباب، وفتح لنا راجل كبير في السن، وشه طيب بس باين عليه أثر الشقا والتعب، ده كان عم “أحمد” والد يارا. رحب بينا بكرم بالغ ودخلنا الصالون البسيط.
قعدنا، وبعد دقائق دخلت يارا وهي شايلة ابنها الصغير “إياد”، طفل زي القمر عنده سنة. يارا كانت لابسة فستان هادي، ووشها فيه طيبة ونقاء مش ممكن يتصنعوا. سلمت علينا بخجل وقعدت جنب والدها بعد ما حطت الطفل في حجرها.
عم أحمد بصّلي بوقار وقال:
— “يا ابني.. يارا حكتلي كل حاجة. حكتلي عن اللي حصل مع أختك وجوزها، وحكتلي عن وقفك جنبها. أنا راجل كبرت في السن وماليش في الدنيا غير البنت دي وابنها. يارا اتكسرت كسرة شديدة من سامح، وأنا ما صدقت شفت الضحكة رجعت لوشها لما اتكلمت عنك. بس أنا لازم أسألك سؤال راجل لراجل.. أنت جاي تطلبها عشان بتحبها وتصونها، ولا عشان تثبت نقطة؟”
بصيت لعم أحمد في عينيه بثبات، وبصيت ليارا اللي كانت مستنية إجابتي بلهفة وحابسة أنفاسها، وقلت:
— “يا عم أحمد.. أنا دخلت البيت ده عشان شفت في يارا الست العفيفة المحترمة اللي أي راجل يتمنى تشيل اسمه. شفت فيها أم لابني في المستقبل، وشفت إن من واجبي كرجل أكون سند ليها ولإياد الصغير ده. أنا جاي أشتري بني آدمة صانت نفسها، وبأوعدك أمام الله، إياد ده هيبقى زي ابني وأكتر، ويارا هتشوف معايا أيام تعوضها عن كل ليلة نامت فيها مكسورة.”
عم أحمد ابتسم ودمعة نزلت من عينه، ومسك إيدي وقرأ الفاتحة معايا ومع كريم. يارا غمضت عينيها والدموع نازلة على خدها بس المرة دي كانت دموع راحة وأمل.
واتفقنا إن الخطوبة والتوثيق الرسمي للشرع هيتم خلال أسبوعين بدون دوشة، في حفلة صغيرة على قدنا.
عدت أيام قليلة، وكنت قاعد في شقتي الجديدة اللي أجرتها وبدأت أجهز فيها على قدي، فجأة تليفوني رن.
كان الرقم مسجل باسم “أبويا”.
رديت بسرعة: “السلام عليكم يا بابا.”
صوت أبويا كان متغير، مكانش فيه الغضب بتاع المرة اللي فاتت، كان فيه صوت راجل متلخبط ومصدوم:
— “تعالى البيت يا ابني حالاً. أختك عبير وسامح هيموتوا بعض جوه، والموضوع كبر وأنا محتاجك!”
نزلت من الشقة وجريت على عربيتي، عقلي عمال يودي ويجيب في الطريق.. إيه اللي ممكن يكون حصل بين عبير وسامح يخلي أبويا يكلمني بالنبرة دي؟ النبرة اللي فيها صوت راجل كبر في السن وفقد السيطرة على بيته، راجل بيستنجد بابنه!
وصلت بيت أهلي، وطلعت السلم خطوتين في خطوة. الباب كان مفتوح، والصوت واصل لآخر الشارع. دخلت الصالة، ولقيت المنظر يفجع.. المزهرية الكبيرة أزازها مكسور ومنطوش على الأرض، الكراسي مقلوبة، وعبير أختي قاعدة في الأرض شعرها منكوش، بتبكي بانهيار وهي ماسكة في جلابية أبويا، وسامح واقف بعيد عند باب البلكونة، وشه مخطوف، وعينيه زايغة!
أبويا أول ما شافني دخلت، اتنفس بصعوبة وشاورلي بإيده:
— “تعالى يا ابني.. تعال شوف اللي وصلنا لها! تعال شوف اللي اختارته أختك وعملت عشانه مشكلة مع أخوها!”
قربت بخطوات هادية، بصيت لعبير اللي كانت بتبصلي بعيون مليانة خزي وندم، وبعدين بصيت لسامح وقلت بصوت حاسم:
— “إيه اللي بيحصل هنا؟ في إيه يا بابا؟”
أبويا جاب كراسة صغيرة وملف أوراق من على الترابيزة ورماهم تحت رجل سامح، وزعق بصوت هز الشقة:
— “الأستاذ.. الأستاذ اللي أختك خربت بيت بنت ناس علشانه، ووقفتك قصاد أخوك عشان تدافع عنه، طلع كاتب الشقة دي والشاليه بتاع الساحل باسم يارا مراته الأولى من سنة، وطلع شاري للطفل شهادات استثمار باسمه هو وأمه! ومش بس كده.. الأستاذ كان بيحاول يستغل أختك وياخد منها فلوس ورثها من جوزها المرحوم عشان يدخل بيها شريكة في مشروع وهمي باسمه!”
الكلام نزل عليا وعلى الصالة زي الصاعقة! بصيت لسامح، لقيته بيحاول يجمع شتات نفسه ويتكلم بتلعثم:
— “يا عمي أفهمك بس.. الشقة والشاليه دول أنا كتبتم ليارا أيام ما كانت في ذمتي، عشان أبوها كان شرط عليا كده! وأنا ما ضحكتش على عبير، أنا كنت بعرض عليها نستثمر الفلوس سوا..”
عبير صرخت بصوت هيستيري وقامت وقفت، وجرت على سامح مسكته من ياقت قميصه وهي بتضربه في صدره:
— “أنت خاين ومخادع! أنت ضحكت عليا وجيتلي وأنت بتدعي الفقر والمظلومية! أنت كنت بتقولي إن يارا معندهاش أصل وأخدت منك كل حاجة، وطلعت أنت اللي كاتب لها كل حاجة برضاك عشان خايف من أبوها! وعايز تأخد فلوس أختي الأرملة اللي حيلتها من الدنيا عشان تعمل بيها مشاريع باسمك؟! أنت بتبص لفلوس ورثي؟!”
سامح زق إيد عبير بقسوة خلّتها ترجع لورا وتقع على الكنبة، وزعق فيها بغل:
— “اه بتبص لفلوسك! وأنتِ كنتِ فاكرة إي؟ فاكرة إني سيبت عروسة عندها 23 سنة وبنت ناس محترمين وجيت اتجوزتك في السر عشان جمال عيونك؟! أنتِ اللي جيتيلي وأنتِ اللي فتحتِ لي الباب لما لقيتيني زعلان، وأنتِ اللي قبلتِ! ما تعمليش فيها الشريفة العفيفة دلوقتي!”
النار اشتعلت جوايا أول ما شفته زق أختي وهانها بالشكل ده. خطوت خطوتين وسحبته من قميصه بعنف ودبيته في الحيطة، وحطيت إيدي على رقبته وأنا بجز على أسناني:
— “لحد هنا وصوتك ما يعلاش يا واطي! هي غلطت لما مشيت وراك وصدقتك، بس دي أختي وعرضي، وإيدك دي لو اترفت عليها تاني هكسرهالك هنا!”
سامح كان بيكتم أنفاسه، وعينيه حمرا من الخوف، وقال بصوت متقطع:
— “نزل إيدك.. أنت مالكش دعوة، دي مراتي!”
قلت له بنبرة أرعبته:
— “اللي دخلت بيتنا بالسر والخسة.. أنت فكرت إن عبير مفيش وراها رجالة؟ لا يا سامح.. أنت نكرة، وأول ما حقيقتك بانت، أختي عرفت حجمك الحقيقي!”
أبويا قرب وقالي بقلة حيلة:
— “سيبه يا ابني.. سيبه، الحساب مش كده.”
سيبت قميصه، فمشي خطوتين لورا وهو بيظبط هدومه وبيتنفس بالعافية.
أبويا بص لعبير وقالها بصوت مليان قسوة:



