روايات وقصص

حكايات رومانى مكرم 2

قعدت في مكانى مش متحركة، كأن حد كب عليا مية ساقعة في عز الشتا. شقة بفرشها الواسع، والدهب اللي كنت بفرزه وبتمنظر بيه، بقوا في عيني لا شيء. حسيت إن كل حاجة بنيتها طول السنين اللي فاتت كانت عبارة عن قصر من تراب، وهبة هوا بسيطة كفيلة تهدّها على دماغي.
أمينة مشيت وسابتني مع أفكاري اللي كانت عاملة زي الدوامة، وتليفوني كان ساكت تماماً، لكن دماغي مكنش بيبطل ضرب نار. سليم في المطار.. ورايح لندا الأول! الجملة دي كانت بتتردد في وداني زي الجرس المزعج. هو للدرجادي هي مهتمة بيه؟ وليه ساب مراته وعياله اللي عايشين في عز ورايح لست فقيرة في حارة شعبية؟ عشان الماضي؟ ولا عشان لسه بيحبها؟
معدتش ساعات طويلة، لحد ما سمعت صوت عربية بتقف تحت العمارة، وبعدها دقارات خفيفة على باب الشقة.
قلبي كان بيدق بعنف، كأن روحي بتطلع مني. قمت بخطوات تقيلة، كأن كل رجل فيهم بوزن طن، وفتحت الباب.
لقيت “سليم”.
كان شكله متبدل تماماً؛ التعب والسفر باينين على وجهه، وشعره اللي ظهر فيه الشيب أكتر، وعيونه كانت مليانة نظرة مكسورة وغريبة مكنتش متعودة عليها منه. دخل من غير ما ينطق ولا كلمة، وقلع جاكت البدلة ورماه على الكرسي، ووقف باصص لي بنظرة طويلة مليانة عتاب ولوم.
قفلنا باب الشقة ووقفنا في الصالة، وسألت بصوت منهار ومش عارفين أسيطر على أعصابي:
ـ جيت؟ جاي ليه؟ وجاي من بيت مين؟ من عند الهانم بتاعتك؟ من عند ندا؟!
سليم اتنهد بحرقة، وقعد على الكرسي بتعب وقال بصوت هادئ بس كان قاطع زي السكينة:
ـ اه يا سلمى.. كنت عند ندا. وكنت رايح أطمن عليها بعد القسوة اللي شفتها منك امبارح.. القسوة اللي أنا نفسي مكنتش أتخيلها منك أبداً.
زعقت بصوت عالي، والدموع نزلت بغزارة على خدودي:
ـ قسوة؟! أنا اللي قاسية يا سليم؟! ولا إنت اللي خايب وبتكدب عليا من ورايا سنين؟ عشرات الآلاف من الدولارات اللي كنت بتشقا فيها في فرنسا، كنت بتبعتها لحب طفولتك الست ندا، ومرراتي أنا وعيالك وكنت مخليني أحسب كل قرش وأقول بكره عيالنا أولى، وفي الآخر تطلع بتصرف على مرات أخويا أو العشق القديم؟! إنت ضحكت عليا يا سليم!
سليم قام وقف قدامي، وعيونه لمعت بدموع الغضب وقال بصوت واطي بس مرعب:
ـ إنتي مفكرة الفلوس دي كانت حب وهيام ورومانسية زي ما أنتي مصورة في دماغي المريضة بالفلوس والدهب؟! إنتي عمري ما لقيت عندك قلب، طول عمرك شايفة الناس بالقرش والمليم! ندا مكنتش بتاخد مني فلوس شفقة ولا عشان بحبها بالطريقة الرخيصة اللي في دماغي!
فتحت عيوني على مصراعيها وسألته بذهول:
ـ أومال كانت بتاخدها ليه؟! إيه السر اللي مخبيه عني ومنشف ريقي من امبارح عشان أعرفه؟!
سليم مشي خطوتين ولف حوالين نفسه، وبعدين بص في عيني وقال بصدمة:
ـ فاكرة لما سافرت فرنسا من سنين طويلة، وكنت غلبان وماعيش مليم واحد؟ فاكرة مين اللي باعت ذهبها كله، وبعتت لي تمن تذكرة الطيران ومصاريف السفر الأولى عشان أسافر وأحسن مستقبلي وأقدر أتجوزك بعدين؟
اتجمدت في مكاني.. الدم في عروقي كأن اتجمد. بلعت ريقي بصعوبة وسألته بصوت ميت:
ـ تقصد.. تقصد مين؟
سليم كمل بصوت بيترعش من القهر:
ـ أقصد “ندا”! ندا هي اللي ضحت بكل ما تملك، بالدهب البسيط اللي ورثته عن أبوها، عشان أنا أسافر وأشتغل. وقالت لي بالحرف الواحد: “سافر يا سليم، اطلب الرزق، وعوضني في يوم من الأيام لو ربنا فرجها عليك”. لما سافرت هناك، قابلتك إنتي في الشغل، وأعجبت بيكي واتجوزتك، ونسيت ندا أو تناسيتها عشان أفتح بيت جديد معاكي.. بس عمري ما نسيت فضلها عليا!
حسيت إن الأرض بتدور بيا، وكلمات أمينة وسليم نزلوا على دماغي زي الصاعقة. ندا.. اللي جابتلي تذكرة السفر؟ ندا اللي ضحت عشان جوزي يبني نفسه؟!
سليم كمل كلامه وجرحه نازف:
ـ لما نزلت مصر في إجازة من سنين ولقيت جوزها مات وهي بتترمي في الشوارع عشان تربي بنتها، حسيت إن ديني ليها رجع.. لقيت إن حرام عليا أكون عايش في النعيم اللي هي السبب فيه، وهي وأختها وبنتها بيموتوا من الفقر! فكنت ببعت لها جزء بسيط جداً من تعبي وشقايا.. مش عشان بحبها كست، لا.. عشان كنت برد جزء من الجميل اللي ضيعت عمري عشان أرد جزء منه، وانتي كنتي بتاكلي وتشربي من خير اللي هي ضحت عشانه في يوم من الأيام!
قعدت على الكرسي وأنا حاطة إيدي على راسي، والصمت خانق المكان. حسيت إن كل ذرة غرور جوايا اتهشمت. الـ 700 جنيه اللي قطعتهم عنها، والكلمات القاسية اللي جرحتها بيها وهي في عز حاجتها.. بقوا كرباج بيلسع ضميري.
سليم بص لي نظرة أخيرة كلها خيبة أمل، وقال:
ـ أنا تعبت يا سلمى.. وطول السنين دي كنت مستحمل طمعك وجحودك عشان الولاد.. بس للأسف، اللي عملتيه مع ندا امبارح ده كان القشة اللي قسمت ظهر البعير. أنا رايح أجيب ندا وبنتها حنان تقعد الشقة هنا معانا، والبنت دي هتتعلم وتدخل ثانوية عامة غصب عن الكل.. ولو مش عاجبك، باب الشقة أهو مفتوح!
سابني سليم ودخل جوه الأوضة، وأنا فضلت قاعدة لوحدي.. مكسورة، ندمانة، وتايهة وسط دهب ملوش أي قيمة قدام دمعة مظلومة كسرتها بايدي.

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى